تمهيد :
إن الفيلسوف الاغريفي ارسطو في كتابه " السياسة " قد أشار ضمناً إلى فكرة تدرج القواعد القانونية عندما ذهب إلى أن القوانين المؤسسة للدولة “ lois fondatrices de lecast “ لا يجوز تعديلها بواسطة القوانين العادية “ lois ordinaries “ فإذا وصلنا إلى جان جاك – رو سو فانه مع اعتبار أن " القانون loi " هو التعبير عن الإدارة العامة “ expression de la volonte generale " إلا انه يذهب مع ذلك إلى أن قواعد العقد الاجتماعي أو ما يمكن أن يقال له القوانين الأساسية “ lois fondemntas “ لا يمكن أن تنشا أو تعديل إلا بالإجماع علي اعتبار أن الأغلبية لا تكفي لإنشاء القواعد القانونية الأساسية .
وفي هذا أيضا إدراك لفكر تدرج القواعد القانونية التي هي إحدى الأسس التي بنيت عليها فكرة الرقابة علي دستورية القوانين .
ولكن الإسهام الفقهي المباشر والواضح في قاعدة تدرج القواعد القانونية وتوالدها من بعضها . . كان يجب أن ينتظر حتى يجئ الفقيه النمساوي الكبير هانزكلس .
وتقوم نظرية كلسن علي أن القانون يتوالد من أعلا إلى الأدنى ، ففي القمة يأتي القانون الدولي العام ، وعندما يعترف القانون الدولي العام بالدولة يعتبر لها بالحق في أن يكون لها دستور ، والدستور بدوره هو أساس القانون ، والقانون أساس اللائحة ، واللائحة أساس القرار الفردي .
وكل درجة قانونية مرتبطة بالدرجة التي تعلوها باعتبارها نتاج لها وبالدرجة التي تدنوها باعتبارها منتجة لها (21) .
ويعتبر كلسان هو الأب الروحي للدستور النمساوي الصادر عام 1920 وبالتالي للمحكمة الدستورية النمساوية التي نص عليها ذلك القانون . بل أن البعض يذهب إلى أن كلسن يمكن أن يعتبر الأب الروحي لكل المحاكم الدستورية الأوربية والتي نبدأ الآن بدراسة موجة لبعضها .
أولا : المحكمة الدستورية في النمسا :
كانت " مدرسة فيينا " بزعامة كلسن وراء إنشاء هذه المحكمة لكي تحمي تدرج القواعد القانونية من أن تعتدي قاعدة ادني علي قاعدة اعلي .
وقد أنشئت المحكمة النمساوي منذ عام 1920 م وكان لها اختصاص شامل ومانع ، بمعني انها كانت تباشر رقابة مركزية علي دستورية القوانين ولا يجوز لغيرها من المحاكم أن تتصدى لهذا الرقابة ، وهذه الرقابة المركزية تأثرت بها كثير من المحاكم الدستورية التي نشأت بعد ذلك ، وتتكونا لمحكمة الدستورية في النمسا من 14 قاضياً ، وستة قضاة مناوبين ، وتشارك السلطات التشريعية والتنفيذية في اختيار قضاة المحكمة ، والقانون وان كان يتطلب في قضاة المحكمة الدستورية أن يكونوا من ذوي الخبرة القانونية الطويلة إلا انه لم يشترط سناً معيناً كحد ادني للتعيين ( علي عكس الحالة في ألمانيا مثلا حيث يشترط أن لا يقل عمر القاضي الدستوري عن أربعين سنة ) .
ويستمر القاضي الدستوري في عمله ما دام قد عين فيه دون إمكانية نقله أو فصله أو تغيير عمله ، وذلك إلى أن يبلغ السبعين عاماً ، وهذا في حد ذاته ضمان لاستقلال القاضي إلى جوار وجود نظام خاص بحصانة القضاة وعدم قابليتهم للعزل أو للمحاسبة من خارج المحكمة التي ينتمون إليها ، والمحكمة الدستورية النمساوية – شانها في ذلك شان الكثير من المحاكم الدستورية – نص عليها الدستورية بنفسه ، ومن ثم فان وجودها واختصاصها ليس خاضعاً للمشرع العادي الذي قد تتغير اغلبيته وتتغير بالتالي اتجاهاته ، وفي هذا ضمان أخر لاستقلالية المحكمة الدستورية من ناحية واعتبارها مؤسسة دستورية من ناحية أخرى شانها في ذلك شان البرلمان والحكومة .
وقد جاء النص علي المحكمة الدستورية النمساوية في المادة 174 من الدستور الفيدرالي ، ويختار قضاة المحكمة من بين القضاة أو أساتذة القانون أو المحامين .
ولا تعقد المحكمة جلساتها بصفة مستمرة ، وانما تعقدها في الشهور التالية : مارس ، يونيه ، سبتمبر ، ديسمبر .
ويعاون القضاة في دراسة القضايا " مقررون دائمون " raporteurs permanents " وهم الذين يقابلون عندنا هيئة مفوضي المحكمة كما سنري عندما ندرس المحكمة الدستورية في مصر .
ولما كثرت القضايا أمام المحكمة أنشئت دائرة لفحص الطعون حتى لا يحال إلى المحكمة إلا لطعون الجدية ، وقد استطاعت هذه الدائرة التي أنشئت منذ عام 1981 عندما كثرت أعباء المحكمة أن تخفف عنها جزءاً من هذا العبء .
والمحكمة النمساوية وان كانت تباشر أساساً رقابة لاحقة علي دستورية القوانين التي أصدرها البرلمان فعلاً فان الدستور عهد إليها باختصاص وقائي فيما يتعلق بالقوانين التي تنظم العلاقة بين دولة الاتحاد والدول الأعضاء ، وهذا وضع خاص بالدول الفيدرالية ، وفي هذه الحالة يعرض مشروع القانون المتعلق بهذه العلاقة علي المحكمة قبل إصداره لتقرر مدي دستوريته .
وأحكام المحاكم الدستورية في النمسا لها حجية مطلقة في مواجهة الإفراد ومواجهة السلطات العامة وهي الحجية التي يقال لها “ erga omnes “ وان كان البعض يري أن هذه الحجية المطلقة تتعلق بالأحكام الصادرة بعدم الدستورية فقط ، أما الأحكام الصادرة برفض الدعوى فان حجيتها تقتصر علي أطراف القضية التي صدر فيها الحكم (22) .
أما بالنسبة لموضوع الأثر الرجعي أو الأثر المباشر للحكم الصادر بعدم دستورية قانون من القوانين . . فقد اختار المشرع الدستوري حلولاً عملية لهذه المسالة الشائكة ، والتي أثيرت أخيرا عندنا في مصر بخصوص قوانين الضرائب .
والأصل أن الحكم بعدم الدستورية يبدا نفاذه من يوم نشره ولا يرتد أثره إلى الماضي . ( م 139 – 140 من الدستور ) .
إلا أن المشرع الدستوري في تعديل عام 1975 أعطى للمحكمة الدستورية سلطة تقديرية تستطيع بمقتضاها أن تعطي للحكم بعدم الدستورية أثرا رجعياً تقدر مداه .
كما تستطيع المحكمة أن تعيد إلى الحياة قانوناً عدله أو ألغاه القانون الذي حكم بعدم دستوريته ، هذه لمحة سريعة عن المحكمة الدستورية النمساوية وهي أو محكمة دستورية أنشئت في أوروبا (23) .
ثانياً : المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية (24) :
وضع الدستور الألماني أو القانون الأساسي كما يسمونه أحياناً في 23 مايو 1949 وتبني ايديولوجية ليبرالية غربية بالكامل ورفض كل صور العنصرية والشوفانية – التعصب القومي – وكل صور الحكم الشمولي من ماركسية في اليسار إلى النازية والفاشية في اليمين ، واقام الدستور نظاماً برلمانياً يقوم علي مجلسين . . مجلس نواب يمثل الشعب كله ، ومجلس للولايات الألمانية . . ونص أيضا علي إنشاء محكمة دستورية عليا تكون بمثابة الحارس علي الدستور – أو القانون الأساسي – أو بمثابة الموازن بين السلطات .
وصدر قانون المحكمة الدستورية في 12 مارس عام 1951 .
وسندرس هذه المحكمة علي ضوء ما ورد بشأنها من نصوص في الدستور وفي القانون الخاص بإنشائها .
(أ) كيفية تكوين المحكمة :
يقوم كل مجلس من المجلسين باختيار ثمانية قضاة وبذلك يكون مجموع قضاة المحكمة ستة عشر عضواً .
والمحكمة تتكون من دائرتين لكل منهما اختصاصها المستقل عن الدائرة الأخرى .
وكل دائرة تتشكل من ثمانية أعضاء .
وكل مجلس من مجلس البرلمان يختار أربعة من هؤلاء الأعضاء ويختار المجلس الآخر الأربعة الآخرين .
والمحكمة تتكون من قضاة ، ورغم اختيارها وفقاً لبعض المعايير السياسية . . فان الاختيار يجب أن يتجه إلى كبار رجال القانون العام ممن لهم خبرة قضائية طويلة وممن بلغوا أربعين عاماً .
وفي البداية لم يكن للقضاة سن تقاعد إلا انهي تعديل عام 170 نص عام أن يكون سن التقاعد 68 عاماً وعلي أن مدة تعيين القاضي هي اثنتا عشر عاماً غير قابلة للتجديد وتنتهي الولاية حتما ببلوغ سن التقاعد .
وقد أعطى هذا القانون – قانون 1970 – لقضاة المحكمة الحق في إبداء رأي مخالف للأغلبية _ وهو الأمر المأخوذ به في النظام الانجلو سكسوني ) “ des opinioes dissidents “ ، والبرلمان أيضاً بمجلسيه يختار رئيس المحكمة ونائب الرئيس ، ويبقي كل منهما في مكانه حتى بلوغ سن التقاعد .
(ب) طبيعة المحكمة :
المحكمة هيئة قضائية قائمة بذاتها ومستقلة من سائر السلطات الدستورية ، وقد نص علي ذلك الدستور نفسه في مادة 94 :
La cous constitutionnelle est une gunidictio independente, autonome de tous les autres organs constitutionnels de la federation .
ولما كان الدستور نفسه هو الذي نص علي اختصاص المحكمة ولم يترك ذلك للمشرع العادي . . فهذا يعني انه وضع المحكمة من الناحية الدستورية علي قدم المساواة مع سائر السلطات الدستورية الأخرى وفي مقدمتها البرلمان ( رغم أن البرلمان هو الذي يختار الأعضاء ، ولكن مهمته تنتهي تماماً بعد ذلك الاختيار ويتمتع الأعضاء باستقلال كامل ) .
والمحكمة مستقلة تماماً من الناحية المالية والإدارية عن وزارة العدل . وقد نص الدستور الألماني علي أن مقر المحكمة ليس هو العاصمة وانما هي مدينة أخرى صغيرة وهادئة اسمها “ karlseuhe “ حتى يستطيع قضاة المحكمة أن يبتعدوا عن ضجيج الحياة في العاصمة ويتاح لهم الهدوء والتفرغ الكامل لعملهم ، وينص الدستور في المادة 115 منه علي انه في الظروف الاستثنائية وفي حالات الضرورة . . فانه لا يجوز المساس بكيان المحكمة الدستورية أو باختصاصاتها أو بقضائها علي أي نحو .
والمحكمة هي التي تضع النظام الداخلي للعمل بها .
والجمعية العمومية للمحكمة هي وحدها وبأغلبية ثلثي عدد أعضائها التي تملك اقتراح عزل عضو أو وقفه عن العمل في حالات نادرة وخطيرة ، ورئيس الجمهورية يصدر قراره بناء علي قرار المحكمة ، وتختص الجمعية العمومية للمحكمة أيضا بالفصل في حالات الاختلاف أو التنازع بين دائرتي المحكمة ، وهذا اختصاص قضائي .
ولكنها تختص إلى جوار ذلك بتسيير العمل داخل المحكمة .
وقد ظلت المحكمة الدستورية الألمانية بغير لائحة داخلية بعد إنشائها بمدة طويلة تقارب العشرين عاماً ولكن المحكمة بحكم الدستور وبحكم قانونها تستطيع أن تضع قواعد العمل أمامها ، وقد وضعت اللائحة ثم عدلت بعد ذلك وصدرت لائحة جديدة بدا سريانها في أول أكتوبر 1975 ، وتتكون هذه اللائحة – التي أقرتها وأصدرتها الجمعية العمومية للمحكمة – من فصلين . . فصل يتعلق بالتنظيم الداخلي للمحكمة وفصل يتعلق بقواعد الإجراءات المتبعة أمامها .
وقد استفادت لائحة 1975 بحوالي ربع قرن من التجارب التي مرت بها المحكمة في هذا الخصوص .
(ج) اختصاصات المحكمة الدستورية الفيدرالية :
تحدث الدستور نفسه عن اختصاصات المحكمة في المادة 93 منه ، وقد حددت الفقرة الأولى من تلك المادة عدداً من الاختصاصات ثم أضافت بعد هذا التعديل قوها " وتختص المحكمة في الحالات الأخرى التي يعنها الدستوري " وأحالت هذه المادة إلى المواد 18 ، 21 فقرة 2 ، 41 فقرة 2 ، 61 ، 84 فقرة 2 و 88 فقرة 2 ، 99 ، 100 ، 126 من الدستور ، وقد نصت الفقرة الثانية – المادة 93 من الدستور علي أن المحكمة تختص بالموضوعات التي تنص القوانين الفيدرالية علي اختصاصها بها .
وهكذا فان بعض اختصاصات المحكمة الدستورية الألمانية نص عليها الدستور وبعضها نصت عليه قوانين اتحادية .
والواقع أن المحكمة الدستورية الألمانية بهذه الاختصاصات تمارس أثراً واضحاً وقوياً علي الحياة العامة في ألمانيا .
ويمكن رغبة في تبسيط الأمور أن نرجع اختصاصات المحكمة الدستورية إلى اختصاصات أربع كبري يندرج تحتها اختصاصات أخرى ، أما هذه الاختصاصات الأربع فهي :
1 – الاختصاص برقابة دستورية القوانين ، وصور الاختصاص الأصلي – وأحيانا الوحيد – لكثير من المحاكم الدستورية .
2 – الاختصاص برقابة دستورية اللوائح “ norms “ .
3 – الاختصاص شبه الجنائي أو الاختصاص بحماية النظام الدستوري .
4 – اختصاص الفصل في المنازعات التي تثور بين السلطات الدستورية وبعضها .
وسندرس الاختصاص الأول فقط لاتصاله بموضوع الدراسة .
1 – الاختصاص برقابة دستورية القوانين :
وفقاً للمادة 93 من الدستور السابق الإشارة إليها . . فان المحكمة الدستورية الاتحادية تفصل في " حالات النزاع أو الشك في مطابقة قانون اتحادي أو قانون ولاية من الولايات للدستور سواء من ناحية الشكل أو من ناحية الموضوع ، كذلك في حالة النزاع أو الشك في مطابقة قانون ولاية لأي قانون اتحادي أخر " .
ويكون تحريك الدعوى في هذه الحالات بناء علي طلب الحكومة الفيدرالية أو حكومة ولاية من الولايات أو بناء علي طلب ثالث أعضاء مجلس النواب ، أي أن تحريك الدعوى هنا يتم عن طريق السلطات العامة .
هذا وقد أعطى الدستور للمحاكم وهي تنظر قضية من القضايا الحق في الإحالة إلى المحكمة الدستورية إذا ثار لدي المحكمة التي تنظر الموضوع الشك حول دستورية القانون المطلوب منها تطبيقه علي موضوع المنازعة .
وكذلك فان الإفراد العاديين يمكنهم اللجوء إلى المحكمة الدستورية الفيدرالية بأي طريقة : أما برفع الدعوى المباشرة إذا كانت قد انتهكت أحد الحقوق الأساسية المنصوص عليها في بعض مواد الدستور . . مثل المواد من 1 إلى 19 والمادة 20 فقرة رابعة والمواد 33 و 38 ، 101 ، 104 وهنا يكون للأفراد العاديين حق الطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية بدعوى أصلية (25) .
كذلك فان للأفراد أن يدفعوا أمام المحاكم التي تنظر قضاياهم بعدم دستورية القانون الذي يراد تطبيقه عليهم والمحكمة هي التي تقدر مدي جدية هذا الدفع فان هي قدرت جديته أوقفت الدعوى وصرحت لصالح المصلحة باللجوء إلى المحكمة الدستورية . كذلك فان الإفراد يستطيعون أن يطعنوا في أحكام المحاكم الصادرة ضدهم أمام المحكمة الدستورية إذا كان الحكم الصادر قد خالف الدستور ، وهنا تكون المحكمة الدستورية العليا بمثابة محكمة نقض أو محكمة الدرجة الأعلى ، وتسمي هذه الرقابة بالرقابة علي مدي دستورية تطبيق القوانين سواء بواسطة المحاكم أو بواسطة الإدارة .
وقد أدى هذا الاتساع في الاختصاص إلى أن امتلأت المحكمة الطعون الدستوري المقدمة من الإفراد ولذلك لجا المشرع عام 1985 إلى تعديل قانون المحكمة الدستورية وأنشأ دوائر لفحص الطعون " وغربلتها " مشكلة من ثلاثة أعضاء وتستطيع هذه الدوائر أن تحكم بعدم قبول الدعوى كما تستطيع أن تحكم أحياناً بعدم الدستورية إذا كان الأمر قد حسمته من قبل المحكمة الدستورية .
وقد استطاعت هذه الطريقة أن تخفف كثيراً من العبء عن عاتق المحكمة نفسها ، حتى لقد قيل أن هذه الدوائر – دوائر فحص الطعون – قد حكمت بعدم قبول اكثر من 90% من طعون الإفراد (26) ، والي جوار الاختصاصات العديدة السابقة فان المحكمة الدستورية الألمانية تختص بالنظر في عدم دستورية الأحزاب السياسية “ linconstitution alite des politiques " إذا كان وجودها مخالفا للأسس الديمقراطية التي جاء بها الدستور ( الأحزاب الشيوعية أو النازية الجديدة ) بان يريد في برامجها أو في اتجاهات أعضائها ما يؤدي إلى تهديد وجود الدولة الألمانية .
وأحكام المحكمة الدستورية في هذا كله هي أحكام قضائية ولا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن ولها حجية مطلقة في مواجهة الكافة وفي مواجهة جميع سلطات الدولة (27) .
ومن هذا كله يبين مدي أهمية المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية ويبين أيضا أن نجاح نظام في بلد معين لا يعني إمكانية نجاحه في أي بلد أخر إذ الأمر يتوقف علي الظروف الموضوعية لكل بلد من سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وعلي قوة الرأي العام ومدي إمكانية في التعبير عن نفسه بحرية وبقوة .
وعلي سبيل المثال فان إعطاء البرلمان حق اختيار أعضاء المحكمة الدستورية – كما هو الحال في ألمانيا – يمكن أن يتحول في بلد أخر إلى نوع من الهزل الذي لا معني له ولا ضمان فيه .
ثالثاً : المحكمة الدستورية الإيطالية :
نص الدستور الإيطالي الصادر في ديسمبر 1947 علي إنشاء محكمة دستورية وذلك في المواد من 134 إلى 137 منه .
ونصت المادة 137 من الدستور علي انه " تنظم بقانون عادي القواعد الأخرى الخاصة بتشكيل المحكمة وبعملها .
وقد صدر قانون المحكمة الدستورية في عام 1953 .
ولم يتم تعيين كافة قضاة المحكمة إلا في نوفمبر 1955 .
وبدأت المحكمة عملها في أبريل 1956 .
ونشير هنا بإيجاز إلى كيفية تكوين المحكمة واختصاصاتها وكيف ينعقد هذا الاختصاص .
(أ) كيفية تكوين المحكمة :
تتكون المحكمة من خمسة عشر قاضياً يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد .
ويعين خمسة من هؤلاء القضاة بواسطة البرلمان .
وخمسة منهم بواسطة رئيس الجمهورية .
وخمسة بواسطة الجهات القضائية العليا .
وليس لهؤلاء القضاة سن أقصى لتعيينهم ولكنهم يجب أن يكونوا من يبن طوائف ثلاث : رجال القضاء ، وأساتذة القانون والمحامين .
وقد تغدو آثار خلافات طويلة اختيار القضاة الخمسة الذين يأتون عن طريق البرلمان لوجود صراعات حزبية لا تنتهي في إيطاليا ، وقد كان هذا هو العامل الأساسي في تأخير تكوين المحكمة وانعقادها .
(ب) اختصاصات المحكمة :
نصت المادة 134 من الدستور علي اختصاصات المحكمة الدستورية الإيطالية علي النحو التالي :
- الفصل في المنازعات المتعلقة بالمشروعية الدستورية للقوانين .
- وكذلك الفصل في المنازعات المتعلقة بالتدابير التي لها قوة القانون وذلك فيما بيختص بالدولة والأقاليم .
- وتفصل في المنازعات المتعلقة بالاختصاص بين الدولة وأقاليمها وبين الأقاليم وبعضها .
- وتفصل في الاتهامات الموجهة ضد رئيس الجمهورية والوزراء وفقاً للدستور .
وهكذا جمعت المحكمة بين اختصاص المحكمة الدستورية من ناحية فيما يتعلق بالفصل في دستورية القوانين والإجراءات التي لها قوة القانون وبين محكمة فصل في تنازع الاختصاصات بين الدولة والولايات الداخلة في تكوينها أو يبين هذه الأقاليم وبعضها واخيرا اختصاص محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء .
وإذا كانت المسالة الأولى – دستورية القوانين – لها صبغة قانونية بحتة فان المسالتين الأخريين تجعلان المحكمة في قلب الغليان السياسي الذي صاحب الحياة العامة في إيطاليا منذ تخلصها من الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية واختيارها طريق الليبرالية البرلمانية .
(ج) كيف ينعقد اختصاص المحكمة :
يمكن أن ينعقد اختصاص المحكمة بوسيلة الدعوى الأصلية المباشرة ، ويمكن أن ينعقد بوسيلة الإحالة أو بوسيلة الدفع .
الدعوى الأصلية :
الذي يملك تحريك الدعوى الدستورية مباشرة أمام المحكمة الدستورية هم أشخاص القانون العام : الدولة والولايات أو الأقاليم ، وهؤلاء يوجهون دعواهم سواء ضد قانون اتحادي صادر من البرلمان أو قانون صادر من ولاية من الولايات ، ويتصور أن ترفع الدولة دعوي مباشرة ضد قانون صادر من البرلمان الاتحادي أو من برلمان إحدى الولايات ، كذلك يتصور أن ترفع ولاية من الولايات الدعوى المباشرة ضد قانون اتحادي أو قانون صادر من برلمانها هي أو من برلمان ولاية أخرى .
وفي هذه الحالات الزم الدستور أن تصدر المحكمة حكمها خلال شهر من بدء نظر الدعوى ، وقد ظلت هذه الحالات – الطعون بالدعوى المباشرة من قبل أشخاص القانون العام – في الحدود المعقولة علي عكس ما سنري بالنسبة لقضايا الإفراد .
الدفع الفرعي :
الدفع الفرعي هو الوسيلة التي يستطيع بها المواطن العادي أن يطرح موضوع الرقابة علي دستورية القوانين ، وذلك بمناسبة نظر قضية من القضايا يطلب فيها تطبيق معين ويري أحد الأطراف أو كلاهما أن قانوناً أو نصاً من قانون يراد تطبيقه علي النزاع علي حين يري المواطن الذي هو طرف في الدعوى أن هذا القانون أو هذا النص مخالف للدستور ، وعلي المواطن في هذه الحالة أن يبين للمحكمة التي يدفع أمامها اوجه المخالفة للدستور ويبين انه صاحب مصلحة ضحية في هذا الدفع والمحكمة التي تنظر الموضوع تستطيع أن تقبل الدفع بعدم الدستورية إذا رأت انه مبني علي أساس مقبول وعندئذ تحيل الدعوى إلى المحكمة الدستورية لكي تفصل في المسالة الدستورية ولمحكمة الموضوع من ناحية أخرى أن تري أن الدفع غير جدي ولا يستند إلى أساس سليم وعندئذ ترفضه ، ولكن الرفض هنا يخضع لطرق الطعن العادية في الأحكام ، هذا عن حق الإفراد في الدفع بعدم الدستورية .
ولكن المحكمة الدستورية حكمت بجواز أن تدفع الدولة أو الهيئات العامة بمناسبة نظر مقارنة من المنازعات بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه علي تلك المنازعة مع انه كان للدولة أو لأقاليمها أن تطعن بالدعوى المباشرة ضد هذا القانون فور صدوره ، وكان المحكمة أجازت في هذه الحالة طريقة الدفع .
طريق الإحالة :
يجوز لمحكمة من المحاكم وهي تنظر دعوي من الدعاوى أن تتشكك في دستورية القانون المطلوب تطبيقه علي واقعة النزاع ، والمحكمة هنا لا تستطيع أن تقضي بعدم الدستورية أو تمتنع عن تطبيق القانون الذي تشكك في عدم دستوريته وانما هي تملك أن تحيل ذلك الأمر إلى المحكمة الدستورية لكي تفصل في مدي دستورية أو عدم دستورية القانون أو النص محل الشك .
هذه هي الطرق الثلاث التي ينعقد بها اختصاص المحكمة الدستورية الإيطالية .
والمحكمة الدستورية في إيطاليا هي محكمة قضائية بكل معني الكلمة ، وقضاتها يتمتعون بكل ضمانات القضاء واستقلالهم ، وأحكامها لها حجية مطلقة ولا يجوز الطعن في أحكام بأي طريق .
ومع كون أحكام المحكمة لها حجية قبل أجهزة الدولة وملازمة للمحاكم إلا أن المحكمة الدستورية نفسها تستطيع أن تعدل عما سبق أن قضت به (28) .
كذلك فان أحكام المحكمة الدستورية برفض قرارات الإحالة الصادرة من محاكم الموضوع ليس لها قوة الأمر المقضي كما انها لا تذكر هنا رفض الإحالة أن القانون دستورية “ la loi ncet pas contraire “ .
وهذا يجعل الباب مفتوحاً لطعون بعدم الدستورية في نفس الموضوع .
والحقيقة أن عدد الدعاوى المنظورة أمام المحكمة وصل حداً توشك المحكمة أن تعجز معه عن القيام بمهامها مما أدى بالفقه في إيطاليا والمستشارين إلى التفكير في كيفية تخفيف الأعباء عن المحكمة حتى تتمكن من القيام بدورها الخطير (29) .
بهذا نكون قد انتهينا من هذه الإشارات الموجزة إلى بعض صور عدم الدستورية في العالم الغربي ، وقد يحسن أن نشي إلى بعض التجارب العربية في هذا الموضوع قبل أن نبدأ دراستنا عن القضاء الدستوري في مصر .
بعض التجارب العربية في رقابة الدستورية
يحسن بنا أن ندرس تجربة عربية من المشرق العربي ، وأخري من المغرب العربي فيما يتعلق بالرقابة علي دستورية القوانين .
وقد اخترنا تجربة الكويت من ناحية ، وتجربة المغرب من ناحية أخرى . . والسبب في اختيار هاتين التجربتين . . انهما تجربتان مختلفتان . . واحدة تأخذ بنظام المحكمة الدستورية – الكويت – والثانية تأخذ بنظام المجلس الدستوري – المغرب .
أولاً – المحكمة الدستورية في الكويت :
ينص الدستور الكويتي في المادة ( 173 ) منه علي ما يلي :
" يبين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح ويبين صلاحياتها والإجراءات التي تتبعها ، ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدي تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح ، وفي حالة تقرير الجهة المذكورة عدم قانون أو لائحة يعتبر كان لم يكن " . .
وقد جاء في المذكرة التفسيرية للدستور تعليقا علي المادة ( 173 ) ما نصه " . . اثر الدستور أن يعهد بمراقبة دستورية القوانين ( واللوائح ) إلى محكمة خاصة يراعي في تشكيلها وإجراءاتها طبيعة هذه الجهة الكبيرة . . بدلا من أن يترك ذلك لاجتهاد كل محكمة علي حدة مما قد تتعارض معه الآراء في تفسير النصوص الدستورية أو يعرض القوانين ( واللوائح ) للشجب دون دراسة لمختلف وجهات النظر والاعتبارات . . فوفقا لهذه المادة يترك للقانون الخاص بتلك المحكمة الدستورية مجال إشراك مجلس الأمة بل والحكومة في وضع التفسير القضائي الصحيح لاحكام القوانين وفي مقدمتها الدستور قانون القوانين " .
والذي يستفاد من نص الدستور ومن المذكرة التفسيرية . . أن الدستور اختار أن يعهد بالرقابة علي دستورية القوانين واللوائح إلى " جهة " قضائية واختار أن يجعل الرقابة مركزية في يد هذه الجهة وحدها دون غيرها .
ورغم أن الدستور الكويتي قد صدر في 11 نوفمبر 1962 م . . فان قانون إنشاء المحمكة الدستورية قد تأخر عن ذلك أحد عشر عاما . . حيث صدر القانون رقم 14 لسنة 1973 م بإنشاء المحكمة الدستورية في 9 يونيه 1973 م .
وقد نصت المادة الأولى من ذلك القانون علي أن " . . تنشأ محكمة دستورية تختص دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية وبالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح وفي الطعون الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس الأمة أو بصحة عضويتهم ، ويكون حكم المحكمة الدستورية ملزما للكافة ولسائر المحاكم " .
ويلاحظ أن قانون الإنشاء اتجه إلى صيغة " المحكمة " وليس " الجهة " كما عبر الدستور ، وفي تقديري أن الدستور عندما اختار لفظ " جهة قضائية " . . كان يقصد إلى أن لا يقتصر تشكيل المحكمة علي القضاة وحدهم وانما أجاز الدستور أن تشارك الحكومة ومجلس الأمة في اختيار أعضاء المحكمة أو بعضهم ومع ذلك فان اتجاه القانون إلى " المحكمة " في بلاد مثل بلادنا قد يكون اكثر معقولية واكثر تحقيقا للحيدة .
وتؤلف المحكمة الدستورية من خمسة مستشارين يختارهم مجلس القضاء بالاقتراع السري كما يختار عضوين احتياطيين . . ويشترط أن يكونوا من الكويتيين ويصدر بتعيينهم مرسوم .
ويفهم من نصوص قانون المحكمة الدستورية أن هؤلاء المستشارين الخمسة ليسوا متفرغين تماما لعملهم في المحكمة الدستورية ، وانما هم يقومون بوظيفتهم الدستورية إلى جوار عملهم الأصلي باعتبارهم أعضاء بدائرة التمييز أو محكمة الاستئناف .
وهكذا . . فان الأصل في مستشاري المحكمة الدستورية انهم – أصلا – مستشار في دائرة التمييز أو في محكمة الاستئناف ، وان مجلس القضاء يختارهم للقيام بوظيفة الرقابة القضائية الدستورية وسائر الاختصاصات الأخرى التي جاءت في القانون إلى جوار عملهم في القضاء العادي سواء في الاستئناف أو النقض .
اختصاصات المحكمة الدستورية :
الذي يهم من نص الدستور – م 173 – أن المحكمة تختص في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح .
ولكن الدستور أجاز لقانون إنشاء المحكمة أن يضيف إليها اختصاصات أو في . . وبالفعل فانه وفقا للمادة الأولى من قانون إنشاء المحكمة . . فأنها تختص .
(أ) بتفسير النصوص الدستورية .
(ب) الفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح .
(ج) الفصل في الطعون الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس الأمة .
(د) الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الأمة .
وحسناً فعل المشرع الكويتي إذ عهد إلى جهة قضائية بالفصل في الطعون الانتخابية وفي صحة عضوية أعضاء البرلمان بدلً أن يترك ذلك للبرلمان نفسه وهو جهة سياسية يغلب عليها الهوى والانحياز اكثر من الحيدة والموضوعية التي تتوافر في الجهة القضائية .
كيفية انعقاد اختصاص المحكمة الدستورية :
اختار المشرع الكويتي أن يكون انعقاد الاختصاص للمحكمة الدستورية حينا بطريق الدعوى الأصلية وحينا أخر بطريق الدفع .
أما طريق الدعوى الأصلية . . فقد أباحه المشرع لإحدى جهتين : مجلس الأمة أو مجلس الوزراء . . وهذا يعني أن الحكومة تستطيع أن ترفع دعوي دستورية أصلية ومباشرة أمام المحكمة الدستورية طاعنة في قانون أصدره مجلس الأمة حتى رغم موافقة الأمير عليه .
كذلك ومن ناحية أخرى . . فان القانون أعطى مجلس الأمة الحق في رفع دعوي دستورية مباشرة أمام المحكمة الدستورية طاعنة في قانون أصدره مجلس الأمة حتى رغم موافقة الأمير عليه .
كذلك ومن ناحية أخرى . . فان القانون أعطى مجلس الأمة الحق في رفع دعوي دستورية مباشرة أمام المحكمة ، ولكن للطعن في ماذا ؟ هل تصور أن يطعن مجلس الأمة بعدم دستورية قانون قام هو بإقراره . . ثم صدره الأمير ؟ .
من الصعب تصور ذلك . . ولو أن القانون أباح لعدد محدود من أعضاء المجلس الحق في هذا الطعن المباشر لتصورنا أن الأقلية التي لم توافق علي القانون يكون من حقها الطعن بعدم دستوريته ، ولكن هذا الفرض غير وارد حيث أن النص يقول . . إن الطعن يتم " بطلب من مجلس الأمة " وليس بطلب من عضو أو عدد من أعضائه ، ومفهوم هذا أن المجلس – بصفته – هو الذي يتقدم بطلب الحكم بعدم الدستورية ، والمتصور والحالة هكذا أن يقتصر هذا الحق علي الطعن في المراسيم بقوانين وفي اللوائح .
أما طريق الدفع . . فقد أعطاها المشرع لإفراد الناس الذين يتقاضون أمام المحاكم ويقدرون أن أقضيتهم سيطبق عليها قانون أو نص في قانون يرون انه مخالف للدستور فيقومون بالدفع أمام المحكمة التي تنظر الموضوع بعدم دستورية نص القانون أو المرسوم أو اللائحة المقصود تطبيقه عليهم .
وهذا الدفع يخضع لتقدير محكمة الموضوع . . فان هي قدرت أن الدفع جدي أوقفت نظر القضية وأحالت الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه .
وهناك وسيلة أخرى لعقد اختصاص المحكمة الدستورية وهي طريقة الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية من تلقاء نفسها – أي محكمة الموضوع – إذا غم عليها الأمر وتشككت في دستورية قانون أو نص في قانون أو مرسوم أو لائحة يراد منها تطبيقه علي موضوع النزاع وتستشعر المحكمة أو تتشكك في أن النص غير دستوري . . عندئذ تحيل محكمة الموضوع الأمر إلى المحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص وحدها في الفصل في المنازعات الدستورية .
ولكن .. ماذا إذا قررت محكمة الموضوع التي دفع أحد الأطراف أمامها بعدم دستورية نص أن هذا الدفع غير جدي ولم تستجب له ولم تفحل الأمر إلى المحكمة الدستورية . . هل ينتهي الأمر عند هذا الحد ؟
عندنا في مصر – كما سنري فيما بعد – يستطيع صاحب الدفع أن يستأنفه بل وان يصل به إلى محكمة النقض .
وقد اختار المشرع الكويتي طريقا أخر بان انشأ داخل المحكمة الدستورية من بين أعضائها لجنة اسماها " لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية " وشكلها من رئيس المحكمة واقدم اثنين من المستشارين . . وعهد إليها بالفصل في الطعون التي يرفعها ذوو الشأن من الإفراد الذي قدرت محاكم الموضوع عدم جدية ما أبدوه من دفوع .
تقول الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون إنشاء المحكمة " . . ويجوز لذوي الشأن الطعن في الحكم الصادر بعدم جدية الدفع وذلك لدي لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية في خلال شهر من صدور الحكم المذكور . . وتفصل اللجنة المذكورة في هذا الطعن علي وجه الاستعجال " .
ولجنة فحص الطعون إذ تختص بنظر هذه الطعون . . فأنها بذلك تحجب المحاكم من الدرجة الأعلى بالنسبة للمحكمة التي حكمت بعدم الجدية من النظر في هذه الطعون وهي بصدد النظر في استئناف مرفوع أمامها .
وفي ذلك قالت المحكمة الدستورية في أسباب حكمها الصادر بتاريخ : 21/6/1994 م في القضية رقم (2) سنة 1994 م دستوري (30) .
" . . لما كان ذلك وكانت محكمة الموضوع قد قضت في أول درجة بأسباب حكمها الصادر بتاريخ : 24/10/1992 والمرتبطة بالمنطوق بعدم جدية الدفع بعدم دستورية القانون رقم 114 / 86 بشأن المصورات الجوية ، وإذ لم يطعن مورث الطاعنين في هذا الحكم أمام لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية ، والمختصة وحدها بنظر ذلك الطعن والفصل فيه دون محكمة الاستئناف التي طرح عليها الطعن فيكون قضاءها بتاريخ : 28/12/1994 بإحالة المنازعة الدستورية في القانون سالف الذكر إلى هذه المحكمة غير جائز لانتفاء ولايتها في هذا الخصوص ، ويكون اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى المطروحة قد جاء بغير الطريق القانوني ، بما تضحي معه الدعوى الدستورية غير مقبولة ، وهو ما يتعين القضاء به . . " .
والحقيقة أن لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية الكويتية أثارت بعض الجدل لدي دارسي الموضوع من أساتذة الحقوق في الكويت .
وقد آثار البعض شكوكا حول دستورية هذه اللجنة . . ذلك أن النص الدستوري لم يشر إليها ، وانما أنشأها قانون المحكمة . . كما أثير أيضا مدي اتفاق وجود هذه اللجنة ونهائية أحكامها وحجبها لكثير من القضايا من أن تصل إلى المحكمة الدستورية . . أثير أيضا مدي اتفاق ذلك مع مبدأ مركزية الرقابة الذي اخذ به الدستور عندما عهد إلى جهة واحدة دون غيرها برقابة دستورية القوانين .
والحقيقة أن هذه اللجنة قامت بدور واضح في عدم وصول كثير من القضايا التي لم تقبل المحاكم الموضوعية فيها جدية الدفوع إلى المحكمة الدستورية وذلك باتجاهها الغالب لتأييد محاكم الموضوع في رفض الدفوع واعتبارها غير جدية . . ويبدو أن لجنة فحص الطعون في كثير من الحالات تجاوزت أمر النظر السريعة إلى الدفع وذهبت إلى أن تصورت انها " محكمة دستورية من درجة أولى – وإن كان قرارها نهائيا – وتعرضت لدستورية النصوص المطعون فيها .
ولم يكن هناك مبرر لهذه اللجنة خاصة وان الطعون ليست كثيرة . . فعلي مدي سنوات طويلة – حوالي ثلاثين عاما – لم تفصل المحكمة الدستورية إلا في عدد محدود من القضايا منها كثير من المتشابهات التي يجري الحكم في واحدة منها علي كثير من القضايا المماثلة .
ويحسن المشروع الكويتي لو عدل القانون الخاص بالمحكمة الدستورية والغي هذه اللجنة التي لا سند لها في الدستوري .
والحقيقة أن المحكمة الدستورية في الكويت . . مازال دورها محدوداً وغير مؤثر . . بل إن المتغلين بالمسائل الدستورية في جامعة الكويت لا ينظرون إلى أحكامها نظرة الرضا والقناعة (31) .
ثانياً – المجلس الدستوري في المغرب :
انتهت الحماية الفرنسية علي المغرب وبدا عهد الاستقلال من الناحية العملية بعودة الملك محمد الخامس من المنفي في 16 نوفمبر 1955 ، ولكن من الناحية الرسمية تحقق الاستقلال بمقتضى المعاهدات بين فرنسا والمغرب في 2 مارس 1956 والتي أعلنت بمقتضاها إلغاء الحماية واستقلال المغرب .
وفي عام 1962 صدر أول دستور في المغرب في عهد الملك الحسن الثاني وتم استفتاء الشعب عليه في 7 ديسمبر 1962 م .
وفي ويونيه 1965 م أوقف العمل بالدستور .
وصدر دستور ثان في يونيه 1970 .
ودستور ثالث في مارس 1972 والذي عدل في 1992 م ثم في أكتوبر 1996 م ، وقد تأثرت هذه الدساتير جميعا بالدستور الفرنسي الصادر في عام 1958 م والذي يطلق عليه أحيانا دستور ديجول .
وكان طبيعيا أن تتأثر المغرب الدستور الفرنسي نظرا للروابط الثقافية والسياسية والتاريخية بين البلدين . . يقول الدكتور عبد الكريم غلاب " . . من مقارنة بسيطة بين الدستور الفرنسي لسنة 1958 والدستور المغربي . . نجد أن الدستور المغربي اعتمد علي الفرنسي كامل الاعتماد . . نجد أن الدستور الغربي اعتمد علي نصوص الدستوري الفرنسي كاملا أو بعضا وكثير من الفصول ( المواد أو فقرات من الفصول نقلها بالحرف . . " (32) .
وقد صدر القانون الخاص بالمجلس الدستوري في المغرب في ظل دستور 1962 م الذي كان ينظم في الباب السادس منه المجلس الدستوري في المواد من 76 إلى 79 ، والتي يجري نصها علي النحو الآتي :
الفصل السادس والسبعون : يحدث مجلس دستوري .
الفصل السابع والسبعون : يتألف المجلس الدستوري من :
* أربعة أعضاء يعينهم الملك لمدة ست سنوات .
* أربعة أعضاء يعينهم رئيس مجلس النواب لنفس المدة بعد استشارة الفرق النيابية .
وعلاوة علي الأعضاء المشار إليهم أعلاه يعين الملك رئيس المجلس الدستوري لنفس المدة .
يجدد كل ثلاث سنوات نصف كل فئة من أعضاء المجلس الدستوري .
الفصل الثامن والسبعون : يحدد قانون تنظيمي قواعد تنظيم وسير المجلس الدستوري والإجراءات المتبعة أمامه خصوصا ما يتعلق بالآجال المقر لعرض مختلف النزاعات عليه .
ويحدد أيضا الوظائف التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المجلس الدستوري ، وطريقة أجراء أول تجديد نصفي لأعضائه ، وإجراءات تعيين من يحل محل أعضائه الذين استحال عليهم القيام بمهامهم أو استقالوا أو توفوا أثناء مدة عضويتهم .
الفصل التاسع والسبعون : يمارس المجلس الدستوري الاختصاصات المسندة إليه بفصول الدستور أو بأحكام القوانين التنظيمية . . ويفصل بالإضافة إلى ذلك – في صحة انتخاب أعضاء مجلس النواب وعمليات الاستفتاء .
تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها ، والنظام الداخلي لمجلس النواب قبل الشروع في تطبيقه إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
وللملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو ربع الأعضاء الذين يتألف منهم هذا المجلس أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
يبت المجلس الدستوري في الحالا المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين خلال شهر . وتخفض هذه المدة إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة إذا كان الأمر يدعو إلى التعجيل .
يترتب علي إحالة القوانين إلى المجلس الدستوري في الحالات المشار إليها أعلاه وقف سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذها .
لا يجوز إصدار أو تطبيق أي نص يخالف الدستور .
لا تقبل قرارات المجلس الدستوري أي طريق من طرق الطعن ، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية " .
وعندما وقع التعديل الدستوري الأخير في أكتوبر 1996 لحقت المواد المتعلقة بالمجلس الدستوري بعض التعديلات .
فقد نصت المادة التاسعة والسبعون علي أن يتألف المجلس الدستوري من اثني عشر عضوا – كانوا من قبل ثمانية – يعين الملك منهم ستة أعضاء ويعين الستة الآخرين مناصفة كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين علي حين كان النص القديم يعطي لرئيس مجلس النواب حق تعين أربعة أعضاء هم نصف أعضاء المجلس آنذاك .
ويشترك النصان أن الملك يعين رئيس المجلس من بين الأعضاء الذين يعينهم .
ومن الأحكام الجديدة في الدستور المعدل . . أن مدة أعضاء المجلس الدستوري – تسع سنوات – غير قابلة للتجديد بعد أن كانت في النص القديم ست سنوات ، وكانت قابلة للتجديد مرة واحدة .
وتجري النصوص بعد تعديلها في الدستور علي النحو التالي :
الفصل الثامن والسبعون :
يحدث مجلس دستوري .
الفصل التاسع والسبعون :
يتألف المجلس الدستوري من ستة أعضاء يعينهم الملك لمدة تسع سنوات ، وستة أعضاء يعين ثلاثة منهم رئيس مجلس النواب وثلاثة رئيس مجلس المستشارين لنفس المدة بعد استشارة الفرق ، ويتم كلا ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المجلس الدستوري .
يختار الملك رئيس المجلس الدستوري من بين الأعضاء الذين يعينهم .
مهمة رئيس وأعضاء المجلس الدستوري غير قابلة للتجديد .
الفصل الثامنون :
يحدد قانون تنظيمي قواعد تنظيم وسير المجلس الدستوري والإجراءات المتبعة أمامه خصوصا ما يتعلق بالآجال المقررة لعرض مختلف النزاعات عليه .
ويحدد أيضا الوظائف التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المجلس الدستوري . وطريقة أجراء التجديدين الأولين لثلث أعضائه ، وإجراءات تعيين من يحل محل أعضائه الذين استحال عليهم القيام بمهامهم أو استقالوا أو توفوا أثناء مد عضويتهم .
الفصل الحادي والثمانون :
يمارس المجلس الدستوري الاختصاصات إليه بفصول الدستور أو بأحكام القوانين التنظيمية ، ويفصل – بالإضافة إلى ذلك – في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء .
تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها والنظام الداخلي لكل من مجلسي البرلمان قبل الشروع في تطبيقه إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
وللملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاء مجلس النواب أو أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
يبت المجلس الدستوري في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين خلال شهر ، وتخفض هذه المدة إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة إذا كان الأمر يدعو إلى التعجيل .
يترتب علي إحالة القوانين إلى المجلس الدستوري في الحالات المشار إليها أعلاه وقف سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذها .
لا يجوز إصدار أو تطبيق أي نص يخالف الدستوري .
لا تقبل قرارات المجلس الدستوري أي طريق من طرق الطعن ، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية " .
ويبين واضحا من هذه النصوص سواء قبل تعديلها أو بعد تعديلها عام 1956 إلى أي مدي تأثرت هذه النصوص بالتجربة الفرنسية في الرقابة السابقة علي دستورية القوانين بواسطة " مجلس دستوري " مما يجعل التجربة الفرنسية في هذا الخصوص بمثابة الأصل التاريخي للتجربة المغربية .
وننتقل الآن إلى دراسة نصوص القانون التنظيمي – loi organique – المنظمة للمجلس الدستوري وهو القانون الصادر في 14 رمضان هـ - الموافق 25 فبراير 1994 ميلادية .
وقد كانت المادة الأولى من ذلك القانون تتحدث عن أن المجلس يتكون من ثمانية أعضاء – كما تقدمت الإشارة إليه – ولكن التعديل الدستوري جعل عدد الأعضاء اثني عشر عضواً يعينون لمدة ست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة .
وكل ثلاث سنوات يجدد نصف عدد الأعضاء الذين عينهم الملك ونصف عدد الأعضاء الذين عينهم كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين .
وأعضاء المجلس الدستوري لا يجوز لهم الجمع بين عضوية المجلس وعضوية الحكومة أو أي من مجلسي البرلمان – النواب أو المستشارين – أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، وكذلك أي وظيفة عامة أخرى .
ويلتزم أعضاء المجلس الدستوري بامتناع عن كل ما من شانه أن ينال من استقلالهم من كرامة المنصب الذي يتقلونه .
ويؤدي رئيس المجلس وأعضاؤه قبل مباشرة عملهم اليمين أمام الملك ، ويعقد المجلس جلساته في غير علانية .
اختصاصات المجلس الدستوري في المغرب :
شانه في ذلك شان المجلس الفرنسي فان هناك اختصاصات وجوبيه وأخري جوازيه .
وعلي أي حال فانه سواء بالنسبة للاختصاصات الوجوبية أو الجوازية فان رقابة المجلس هي رقابة سابقة أي قبل إصدار القانون . . ذلك أن القانون بعد أن يصدر لا يجوز الطعن فيه بعدم الدستوري .
الاختصاصات الوجوبية :
(أ) تحال إلى المجلس الدستوري القوانين العضوية أو التنظيمية بواسطة الوزير الأول بعد إقرارها من مجلس النواب وقبل التصديق عليها من الملك . فإذا رأي المجلس الدستوري انها مطابقة للدستور أصداها الملك ، وإذا رأي المجلس عدم مطابقتها فأنها تعتبر كان لم تكن .
(ب) كذلك يحيل رئيس مجلس النواب إلى المجلس الدستوري النظام الداخلي لمجلس النواب والتعديلات المدخلة عليه بعد إقرارها من قبل البرلمان وقبل التصديق عليها من الملك .
الاختصاصات الجوازية :
ويجوز للملك قبل أن يصدر القانون كما يجوز للوزير الأول ولرئيس كل من المجلسين أو لعدد من أعضاء كل مجلس – لا يقل عن ربع عدد الأعضاء – أن يطلب من المجلس الدستوري بيان وجه الراب في مطابقة تشريع معين أو عدم مطابقته للدستور .
ويبت المجلس الدستوري في مطابقة القانون للدستور خلال شهر من أحالته إليه أو في غضون ثمانية أيام في حالة الاستعجال .
" لاحظ التطابق بين النصين الفرنسي والمغربي " .
(ج) يختص المجلس الدستوري المغربي أيضا – شانه شان المجلس الفرنسي – بالنظر في المنازعات المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب .
(د) ويتولى المجلس الدستوري أيضا مراقبة سلامة عمليات الاستفتاء كما يعلن نتائج الاستفتاء .
ويجوز الرجوع إلى قرارات المجلس الدستوري الفرنسي للاستعانة بها في المغرب نظرا لتماثل النصوص في كل من البلدين .

إن الفيلسوف الاغريفي ارسطو في كتابه " السياسة " قد أشار ضمناً إلى فكرة تدرج القواعد القانونية عندما ذهب إلى أن القوانين المؤسسة للدولة “ lois fondatrices de lecast “ لا يجوز تعديلها بواسطة القوانين العادية “ lois ordinaries “ فإذا وصلنا إلى جان جاك – رو سو فانه مع اعتبار أن " القانون loi " هو التعبير عن الإدارة العامة “ expression de la volonte generale " إلا انه يذهب مع ذلك إلى أن قواعد العقد الاجتماعي أو ما يمكن أن يقال له القوانين الأساسية “ lois fondemntas “ لا يمكن أن تنشا أو تعديل إلا بالإجماع علي اعتبار أن الأغلبية لا تكفي لإنشاء القواعد القانونية الأساسية .
وفي هذا أيضا إدراك لفكر تدرج القواعد القانونية التي هي إحدى الأسس التي بنيت عليها فكرة الرقابة علي دستورية القوانين .
ولكن الإسهام الفقهي المباشر والواضح في قاعدة تدرج القواعد القانونية وتوالدها من بعضها . . كان يجب أن ينتظر حتى يجئ الفقيه النمساوي الكبير هانزكلس .
وتقوم نظرية كلسن علي أن القانون يتوالد من أعلا إلى الأدنى ، ففي القمة يأتي القانون الدولي العام ، وعندما يعترف القانون الدولي العام بالدولة يعتبر لها بالحق في أن يكون لها دستور ، والدستور بدوره هو أساس القانون ، والقانون أساس اللائحة ، واللائحة أساس القرار الفردي .
وكل درجة قانونية مرتبطة بالدرجة التي تعلوها باعتبارها نتاج لها وبالدرجة التي تدنوها باعتبارها منتجة لها (21) .
ويعتبر كلسان هو الأب الروحي للدستور النمساوي الصادر عام 1920 وبالتالي للمحكمة الدستورية النمساوية التي نص عليها ذلك القانون . بل أن البعض يذهب إلى أن كلسن يمكن أن يعتبر الأب الروحي لكل المحاكم الدستورية الأوربية والتي نبدأ الآن بدراسة موجة لبعضها .
أولا : المحكمة الدستورية في النمسا :
كانت " مدرسة فيينا " بزعامة كلسن وراء إنشاء هذه المحكمة لكي تحمي تدرج القواعد القانونية من أن تعتدي قاعدة ادني علي قاعدة اعلي .
وقد أنشئت المحكمة النمساوي منذ عام 1920 م وكان لها اختصاص شامل ومانع ، بمعني انها كانت تباشر رقابة مركزية علي دستورية القوانين ولا يجوز لغيرها من المحاكم أن تتصدى لهذا الرقابة ، وهذه الرقابة المركزية تأثرت بها كثير من المحاكم الدستورية التي نشأت بعد ذلك ، وتتكونا لمحكمة الدستورية في النمسا من 14 قاضياً ، وستة قضاة مناوبين ، وتشارك السلطات التشريعية والتنفيذية في اختيار قضاة المحكمة ، والقانون وان كان يتطلب في قضاة المحكمة الدستورية أن يكونوا من ذوي الخبرة القانونية الطويلة إلا انه لم يشترط سناً معيناً كحد ادني للتعيين ( علي عكس الحالة في ألمانيا مثلا حيث يشترط أن لا يقل عمر القاضي الدستوري عن أربعين سنة ) .
ويستمر القاضي الدستوري في عمله ما دام قد عين فيه دون إمكانية نقله أو فصله أو تغيير عمله ، وذلك إلى أن يبلغ السبعين عاماً ، وهذا في حد ذاته ضمان لاستقلال القاضي إلى جوار وجود نظام خاص بحصانة القضاة وعدم قابليتهم للعزل أو للمحاسبة من خارج المحكمة التي ينتمون إليها ، والمحكمة الدستورية النمساوية – شانها في ذلك شان الكثير من المحاكم الدستورية – نص عليها الدستورية بنفسه ، ومن ثم فان وجودها واختصاصها ليس خاضعاً للمشرع العادي الذي قد تتغير اغلبيته وتتغير بالتالي اتجاهاته ، وفي هذا ضمان أخر لاستقلالية المحكمة الدستورية من ناحية واعتبارها مؤسسة دستورية من ناحية أخرى شانها في ذلك شان البرلمان والحكومة .
وقد جاء النص علي المحكمة الدستورية النمساوية في المادة 174 من الدستور الفيدرالي ، ويختار قضاة المحكمة من بين القضاة أو أساتذة القانون أو المحامين .
ولا تعقد المحكمة جلساتها بصفة مستمرة ، وانما تعقدها في الشهور التالية : مارس ، يونيه ، سبتمبر ، ديسمبر .
ويعاون القضاة في دراسة القضايا " مقررون دائمون " raporteurs permanents " وهم الذين يقابلون عندنا هيئة مفوضي المحكمة كما سنري عندما ندرس المحكمة الدستورية في مصر .
ولما كثرت القضايا أمام المحكمة أنشئت دائرة لفحص الطعون حتى لا يحال إلى المحكمة إلا لطعون الجدية ، وقد استطاعت هذه الدائرة التي أنشئت منذ عام 1981 عندما كثرت أعباء المحكمة أن تخفف عنها جزءاً من هذا العبء .
والمحكمة النمساوية وان كانت تباشر أساساً رقابة لاحقة علي دستورية القوانين التي أصدرها البرلمان فعلاً فان الدستور عهد إليها باختصاص وقائي فيما يتعلق بالقوانين التي تنظم العلاقة بين دولة الاتحاد والدول الأعضاء ، وهذا وضع خاص بالدول الفيدرالية ، وفي هذه الحالة يعرض مشروع القانون المتعلق بهذه العلاقة علي المحكمة قبل إصداره لتقرر مدي دستوريته .
وأحكام المحاكم الدستورية في النمسا لها حجية مطلقة في مواجهة الإفراد ومواجهة السلطات العامة وهي الحجية التي يقال لها “ erga omnes “ وان كان البعض يري أن هذه الحجية المطلقة تتعلق بالأحكام الصادرة بعدم الدستورية فقط ، أما الأحكام الصادرة برفض الدعوى فان حجيتها تقتصر علي أطراف القضية التي صدر فيها الحكم (22) .
أما بالنسبة لموضوع الأثر الرجعي أو الأثر المباشر للحكم الصادر بعدم دستورية قانون من القوانين . . فقد اختار المشرع الدستوري حلولاً عملية لهذه المسالة الشائكة ، والتي أثيرت أخيرا عندنا في مصر بخصوص قوانين الضرائب .
والأصل أن الحكم بعدم الدستورية يبدا نفاذه من يوم نشره ولا يرتد أثره إلى الماضي . ( م 139 – 140 من الدستور ) .
إلا أن المشرع الدستوري في تعديل عام 1975 أعطى للمحكمة الدستورية سلطة تقديرية تستطيع بمقتضاها أن تعطي للحكم بعدم الدستورية أثرا رجعياً تقدر مداه .
كما تستطيع المحكمة أن تعيد إلى الحياة قانوناً عدله أو ألغاه القانون الذي حكم بعدم دستوريته ، هذه لمحة سريعة عن المحكمة الدستورية النمساوية وهي أو محكمة دستورية أنشئت في أوروبا (23) .
ثانياً : المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية (24) :
وضع الدستور الألماني أو القانون الأساسي كما يسمونه أحياناً في 23 مايو 1949 وتبني ايديولوجية ليبرالية غربية بالكامل ورفض كل صور العنصرية والشوفانية – التعصب القومي – وكل صور الحكم الشمولي من ماركسية في اليسار إلى النازية والفاشية في اليمين ، واقام الدستور نظاماً برلمانياً يقوم علي مجلسين . . مجلس نواب يمثل الشعب كله ، ومجلس للولايات الألمانية . . ونص أيضا علي إنشاء محكمة دستورية عليا تكون بمثابة الحارس علي الدستور – أو القانون الأساسي – أو بمثابة الموازن بين السلطات .
وصدر قانون المحكمة الدستورية في 12 مارس عام 1951 .
وسندرس هذه المحكمة علي ضوء ما ورد بشأنها من نصوص في الدستور وفي القانون الخاص بإنشائها .
(أ) كيفية تكوين المحكمة :
يقوم كل مجلس من المجلسين باختيار ثمانية قضاة وبذلك يكون مجموع قضاة المحكمة ستة عشر عضواً .
والمحكمة تتكون من دائرتين لكل منهما اختصاصها المستقل عن الدائرة الأخرى .
وكل دائرة تتشكل من ثمانية أعضاء .
وكل مجلس من مجلس البرلمان يختار أربعة من هؤلاء الأعضاء ويختار المجلس الآخر الأربعة الآخرين .
والمحكمة تتكون من قضاة ، ورغم اختيارها وفقاً لبعض المعايير السياسية . . فان الاختيار يجب أن يتجه إلى كبار رجال القانون العام ممن لهم خبرة قضائية طويلة وممن بلغوا أربعين عاماً .
وفي البداية لم يكن للقضاة سن تقاعد إلا انهي تعديل عام 170 نص عام أن يكون سن التقاعد 68 عاماً وعلي أن مدة تعيين القاضي هي اثنتا عشر عاماً غير قابلة للتجديد وتنتهي الولاية حتما ببلوغ سن التقاعد .
وقد أعطى هذا القانون – قانون 1970 – لقضاة المحكمة الحق في إبداء رأي مخالف للأغلبية _ وهو الأمر المأخوذ به في النظام الانجلو سكسوني ) “ des opinioes dissidents “ ، والبرلمان أيضاً بمجلسيه يختار رئيس المحكمة ونائب الرئيس ، ويبقي كل منهما في مكانه حتى بلوغ سن التقاعد .
(ب) طبيعة المحكمة :
المحكمة هيئة قضائية قائمة بذاتها ومستقلة من سائر السلطات الدستورية ، وقد نص علي ذلك الدستور نفسه في مادة 94 :
La cous constitutionnelle est une gunidictio independente, autonome de tous les autres organs constitutionnels de la federation .
ولما كان الدستور نفسه هو الذي نص علي اختصاص المحكمة ولم يترك ذلك للمشرع العادي . . فهذا يعني انه وضع المحكمة من الناحية الدستورية علي قدم المساواة مع سائر السلطات الدستورية الأخرى وفي مقدمتها البرلمان ( رغم أن البرلمان هو الذي يختار الأعضاء ، ولكن مهمته تنتهي تماماً بعد ذلك الاختيار ويتمتع الأعضاء باستقلال كامل ) .
والمحكمة مستقلة تماماً من الناحية المالية والإدارية عن وزارة العدل . وقد نص الدستور الألماني علي أن مقر المحكمة ليس هو العاصمة وانما هي مدينة أخرى صغيرة وهادئة اسمها “ karlseuhe “ حتى يستطيع قضاة المحكمة أن يبتعدوا عن ضجيج الحياة في العاصمة ويتاح لهم الهدوء والتفرغ الكامل لعملهم ، وينص الدستور في المادة 115 منه علي انه في الظروف الاستثنائية وفي حالات الضرورة . . فانه لا يجوز المساس بكيان المحكمة الدستورية أو باختصاصاتها أو بقضائها علي أي نحو .
والمحكمة هي التي تضع النظام الداخلي للعمل بها .
والجمعية العمومية للمحكمة هي وحدها وبأغلبية ثلثي عدد أعضائها التي تملك اقتراح عزل عضو أو وقفه عن العمل في حالات نادرة وخطيرة ، ورئيس الجمهورية يصدر قراره بناء علي قرار المحكمة ، وتختص الجمعية العمومية للمحكمة أيضا بالفصل في حالات الاختلاف أو التنازع بين دائرتي المحكمة ، وهذا اختصاص قضائي .
ولكنها تختص إلى جوار ذلك بتسيير العمل داخل المحكمة .
وقد ظلت المحكمة الدستورية الألمانية بغير لائحة داخلية بعد إنشائها بمدة طويلة تقارب العشرين عاماً ولكن المحكمة بحكم الدستور وبحكم قانونها تستطيع أن تضع قواعد العمل أمامها ، وقد وضعت اللائحة ثم عدلت بعد ذلك وصدرت لائحة جديدة بدا سريانها في أول أكتوبر 1975 ، وتتكون هذه اللائحة – التي أقرتها وأصدرتها الجمعية العمومية للمحكمة – من فصلين . . فصل يتعلق بالتنظيم الداخلي للمحكمة وفصل يتعلق بقواعد الإجراءات المتبعة أمامها .
وقد استفادت لائحة 1975 بحوالي ربع قرن من التجارب التي مرت بها المحكمة في هذا الخصوص .
(ج) اختصاصات المحكمة الدستورية الفيدرالية :
تحدث الدستور نفسه عن اختصاصات المحكمة في المادة 93 منه ، وقد حددت الفقرة الأولى من تلك المادة عدداً من الاختصاصات ثم أضافت بعد هذا التعديل قوها " وتختص المحكمة في الحالات الأخرى التي يعنها الدستوري " وأحالت هذه المادة إلى المواد 18 ، 21 فقرة 2 ، 41 فقرة 2 ، 61 ، 84 فقرة 2 و 88 فقرة 2 ، 99 ، 100 ، 126 من الدستور ، وقد نصت الفقرة الثانية – المادة 93 من الدستور علي أن المحكمة تختص بالموضوعات التي تنص القوانين الفيدرالية علي اختصاصها بها .
وهكذا فان بعض اختصاصات المحكمة الدستورية الألمانية نص عليها الدستور وبعضها نصت عليه قوانين اتحادية .
والواقع أن المحكمة الدستورية الألمانية بهذه الاختصاصات تمارس أثراً واضحاً وقوياً علي الحياة العامة في ألمانيا .
ويمكن رغبة في تبسيط الأمور أن نرجع اختصاصات المحكمة الدستورية إلى اختصاصات أربع كبري يندرج تحتها اختصاصات أخرى ، أما هذه الاختصاصات الأربع فهي :
1 – الاختصاص برقابة دستورية القوانين ، وصور الاختصاص الأصلي – وأحيانا الوحيد – لكثير من المحاكم الدستورية .
2 – الاختصاص برقابة دستورية اللوائح “ norms “ .
3 – الاختصاص شبه الجنائي أو الاختصاص بحماية النظام الدستوري .
4 – اختصاص الفصل في المنازعات التي تثور بين السلطات الدستورية وبعضها .
وسندرس الاختصاص الأول فقط لاتصاله بموضوع الدراسة .
1 – الاختصاص برقابة دستورية القوانين :
وفقاً للمادة 93 من الدستور السابق الإشارة إليها . . فان المحكمة الدستورية الاتحادية تفصل في " حالات النزاع أو الشك في مطابقة قانون اتحادي أو قانون ولاية من الولايات للدستور سواء من ناحية الشكل أو من ناحية الموضوع ، كذلك في حالة النزاع أو الشك في مطابقة قانون ولاية لأي قانون اتحادي أخر " .
ويكون تحريك الدعوى في هذه الحالات بناء علي طلب الحكومة الفيدرالية أو حكومة ولاية من الولايات أو بناء علي طلب ثالث أعضاء مجلس النواب ، أي أن تحريك الدعوى هنا يتم عن طريق السلطات العامة .
هذا وقد أعطى الدستور للمحاكم وهي تنظر قضية من القضايا الحق في الإحالة إلى المحكمة الدستورية إذا ثار لدي المحكمة التي تنظر الموضوع الشك حول دستورية القانون المطلوب منها تطبيقه علي موضوع المنازعة .
وكذلك فان الإفراد العاديين يمكنهم اللجوء إلى المحكمة الدستورية الفيدرالية بأي طريقة : أما برفع الدعوى المباشرة إذا كانت قد انتهكت أحد الحقوق الأساسية المنصوص عليها في بعض مواد الدستور . . مثل المواد من 1 إلى 19 والمادة 20 فقرة رابعة والمواد 33 و 38 ، 101 ، 104 وهنا يكون للأفراد العاديين حق الطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية بدعوى أصلية (25) .
كذلك فان للأفراد أن يدفعوا أمام المحاكم التي تنظر قضاياهم بعدم دستورية القانون الذي يراد تطبيقه عليهم والمحكمة هي التي تقدر مدي جدية هذا الدفع فان هي قدرت جديته أوقفت الدعوى وصرحت لصالح المصلحة باللجوء إلى المحكمة الدستورية . كذلك فان الإفراد يستطيعون أن يطعنوا في أحكام المحاكم الصادرة ضدهم أمام المحكمة الدستورية إذا كان الحكم الصادر قد خالف الدستور ، وهنا تكون المحكمة الدستورية العليا بمثابة محكمة نقض أو محكمة الدرجة الأعلى ، وتسمي هذه الرقابة بالرقابة علي مدي دستورية تطبيق القوانين سواء بواسطة المحاكم أو بواسطة الإدارة .
وقد أدى هذا الاتساع في الاختصاص إلى أن امتلأت المحكمة الطعون الدستوري المقدمة من الإفراد ولذلك لجا المشرع عام 1985 إلى تعديل قانون المحكمة الدستورية وأنشأ دوائر لفحص الطعون " وغربلتها " مشكلة من ثلاثة أعضاء وتستطيع هذه الدوائر أن تحكم بعدم قبول الدعوى كما تستطيع أن تحكم أحياناً بعدم الدستورية إذا كان الأمر قد حسمته من قبل المحكمة الدستورية .
وقد استطاعت هذه الطريقة أن تخفف كثيراً من العبء عن عاتق المحكمة نفسها ، حتى لقد قيل أن هذه الدوائر – دوائر فحص الطعون – قد حكمت بعدم قبول اكثر من 90% من طعون الإفراد (26) ، والي جوار الاختصاصات العديدة السابقة فان المحكمة الدستورية الألمانية تختص بالنظر في عدم دستورية الأحزاب السياسية “ linconstitution alite des politiques " إذا كان وجودها مخالفا للأسس الديمقراطية التي جاء بها الدستور ( الأحزاب الشيوعية أو النازية الجديدة ) بان يريد في برامجها أو في اتجاهات أعضائها ما يؤدي إلى تهديد وجود الدولة الألمانية .
وأحكام المحكمة الدستورية في هذا كله هي أحكام قضائية ولا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن ولها حجية مطلقة في مواجهة الكافة وفي مواجهة جميع سلطات الدولة (27) .
ومن هذا كله يبين مدي أهمية المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية ويبين أيضا أن نجاح نظام في بلد معين لا يعني إمكانية نجاحه في أي بلد أخر إذ الأمر يتوقف علي الظروف الموضوعية لكل بلد من سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وعلي قوة الرأي العام ومدي إمكانية في التعبير عن نفسه بحرية وبقوة .
وعلي سبيل المثال فان إعطاء البرلمان حق اختيار أعضاء المحكمة الدستورية – كما هو الحال في ألمانيا – يمكن أن يتحول في بلد أخر إلى نوع من الهزل الذي لا معني له ولا ضمان فيه .
ثالثاً : المحكمة الدستورية الإيطالية :
نص الدستور الإيطالي الصادر في ديسمبر 1947 علي إنشاء محكمة دستورية وذلك في المواد من 134 إلى 137 منه .
ونصت المادة 137 من الدستور علي انه " تنظم بقانون عادي القواعد الأخرى الخاصة بتشكيل المحكمة وبعملها .
وقد صدر قانون المحكمة الدستورية في عام 1953 .
ولم يتم تعيين كافة قضاة المحكمة إلا في نوفمبر 1955 .
وبدأت المحكمة عملها في أبريل 1956 .
ونشير هنا بإيجاز إلى كيفية تكوين المحكمة واختصاصاتها وكيف ينعقد هذا الاختصاص .
(أ) كيفية تكوين المحكمة :
تتكون المحكمة من خمسة عشر قاضياً يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد .
ويعين خمسة من هؤلاء القضاة بواسطة البرلمان .
وخمسة منهم بواسطة رئيس الجمهورية .
وخمسة بواسطة الجهات القضائية العليا .
وليس لهؤلاء القضاة سن أقصى لتعيينهم ولكنهم يجب أن يكونوا من يبن طوائف ثلاث : رجال القضاء ، وأساتذة القانون والمحامين .
وقد تغدو آثار خلافات طويلة اختيار القضاة الخمسة الذين يأتون عن طريق البرلمان لوجود صراعات حزبية لا تنتهي في إيطاليا ، وقد كان هذا هو العامل الأساسي في تأخير تكوين المحكمة وانعقادها .
(ب) اختصاصات المحكمة :
نصت المادة 134 من الدستور علي اختصاصات المحكمة الدستورية الإيطالية علي النحو التالي :
- الفصل في المنازعات المتعلقة بالمشروعية الدستورية للقوانين .
- وكذلك الفصل في المنازعات المتعلقة بالتدابير التي لها قوة القانون وذلك فيما بيختص بالدولة والأقاليم .
- وتفصل في المنازعات المتعلقة بالاختصاص بين الدولة وأقاليمها وبين الأقاليم وبعضها .
- وتفصل في الاتهامات الموجهة ضد رئيس الجمهورية والوزراء وفقاً للدستور .
وهكذا جمعت المحكمة بين اختصاص المحكمة الدستورية من ناحية فيما يتعلق بالفصل في دستورية القوانين والإجراءات التي لها قوة القانون وبين محكمة فصل في تنازع الاختصاصات بين الدولة والولايات الداخلة في تكوينها أو يبين هذه الأقاليم وبعضها واخيرا اختصاص محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء .
وإذا كانت المسالة الأولى – دستورية القوانين – لها صبغة قانونية بحتة فان المسالتين الأخريين تجعلان المحكمة في قلب الغليان السياسي الذي صاحب الحياة العامة في إيطاليا منذ تخلصها من الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية واختيارها طريق الليبرالية البرلمانية .
(ج) كيف ينعقد اختصاص المحكمة :
يمكن أن ينعقد اختصاص المحكمة بوسيلة الدعوى الأصلية المباشرة ، ويمكن أن ينعقد بوسيلة الإحالة أو بوسيلة الدفع .
الدعوى الأصلية :
الذي يملك تحريك الدعوى الدستورية مباشرة أمام المحكمة الدستورية هم أشخاص القانون العام : الدولة والولايات أو الأقاليم ، وهؤلاء يوجهون دعواهم سواء ضد قانون اتحادي صادر من البرلمان أو قانون صادر من ولاية من الولايات ، ويتصور أن ترفع الدولة دعوي مباشرة ضد قانون صادر من البرلمان الاتحادي أو من برلمان إحدى الولايات ، كذلك يتصور أن ترفع ولاية من الولايات الدعوى المباشرة ضد قانون اتحادي أو قانون صادر من برلمانها هي أو من برلمان ولاية أخرى .
وفي هذه الحالات الزم الدستور أن تصدر المحكمة حكمها خلال شهر من بدء نظر الدعوى ، وقد ظلت هذه الحالات – الطعون بالدعوى المباشرة من قبل أشخاص القانون العام – في الحدود المعقولة علي عكس ما سنري بالنسبة لقضايا الإفراد .
الدفع الفرعي :
الدفع الفرعي هو الوسيلة التي يستطيع بها المواطن العادي أن يطرح موضوع الرقابة علي دستورية القوانين ، وذلك بمناسبة نظر قضية من القضايا يطلب فيها تطبيق معين ويري أحد الأطراف أو كلاهما أن قانوناً أو نصاً من قانون يراد تطبيقه علي النزاع علي حين يري المواطن الذي هو طرف في الدعوى أن هذا القانون أو هذا النص مخالف للدستور ، وعلي المواطن في هذه الحالة أن يبين للمحكمة التي يدفع أمامها اوجه المخالفة للدستور ويبين انه صاحب مصلحة ضحية في هذا الدفع والمحكمة التي تنظر الموضوع تستطيع أن تقبل الدفع بعدم الدستورية إذا رأت انه مبني علي أساس مقبول وعندئذ تحيل الدعوى إلى المحكمة الدستورية لكي تفصل في المسالة الدستورية ولمحكمة الموضوع من ناحية أخرى أن تري أن الدفع غير جدي ولا يستند إلى أساس سليم وعندئذ ترفضه ، ولكن الرفض هنا يخضع لطرق الطعن العادية في الأحكام ، هذا عن حق الإفراد في الدفع بعدم الدستورية .
ولكن المحكمة الدستورية حكمت بجواز أن تدفع الدولة أو الهيئات العامة بمناسبة نظر مقارنة من المنازعات بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه علي تلك المنازعة مع انه كان للدولة أو لأقاليمها أن تطعن بالدعوى المباشرة ضد هذا القانون فور صدوره ، وكان المحكمة أجازت في هذه الحالة طريقة الدفع .
طريق الإحالة :
يجوز لمحكمة من المحاكم وهي تنظر دعوي من الدعاوى أن تتشكك في دستورية القانون المطلوب تطبيقه علي واقعة النزاع ، والمحكمة هنا لا تستطيع أن تقضي بعدم الدستورية أو تمتنع عن تطبيق القانون الذي تشكك في عدم دستوريته وانما هي تملك أن تحيل ذلك الأمر إلى المحكمة الدستورية لكي تفصل في مدي دستورية أو عدم دستورية القانون أو النص محل الشك .
هذه هي الطرق الثلاث التي ينعقد بها اختصاص المحكمة الدستورية الإيطالية .
والمحكمة الدستورية في إيطاليا هي محكمة قضائية بكل معني الكلمة ، وقضاتها يتمتعون بكل ضمانات القضاء واستقلالهم ، وأحكامها لها حجية مطلقة ولا يجوز الطعن في أحكام بأي طريق .
ومع كون أحكام المحكمة لها حجية قبل أجهزة الدولة وملازمة للمحاكم إلا أن المحكمة الدستورية نفسها تستطيع أن تعدل عما سبق أن قضت به (28) .
كذلك فان أحكام المحكمة الدستورية برفض قرارات الإحالة الصادرة من محاكم الموضوع ليس لها قوة الأمر المقضي كما انها لا تذكر هنا رفض الإحالة أن القانون دستورية “ la loi ncet pas contraire “ .
وهذا يجعل الباب مفتوحاً لطعون بعدم الدستورية في نفس الموضوع .
والحقيقة أن عدد الدعاوى المنظورة أمام المحكمة وصل حداً توشك المحكمة أن تعجز معه عن القيام بمهامها مما أدى بالفقه في إيطاليا والمستشارين إلى التفكير في كيفية تخفيف الأعباء عن المحكمة حتى تتمكن من القيام بدورها الخطير (29) .
بهذا نكون قد انتهينا من هذه الإشارات الموجزة إلى بعض صور عدم الدستورية في العالم الغربي ، وقد يحسن أن نشي إلى بعض التجارب العربية في هذا الموضوع قبل أن نبدأ دراستنا عن القضاء الدستوري في مصر .
بعض التجارب العربية في رقابة الدستورية
يحسن بنا أن ندرس تجربة عربية من المشرق العربي ، وأخري من المغرب العربي فيما يتعلق بالرقابة علي دستورية القوانين .
وقد اخترنا تجربة الكويت من ناحية ، وتجربة المغرب من ناحية أخرى . . والسبب في اختيار هاتين التجربتين . . انهما تجربتان مختلفتان . . واحدة تأخذ بنظام المحكمة الدستورية – الكويت – والثانية تأخذ بنظام المجلس الدستوري – المغرب .
أولاً – المحكمة الدستورية في الكويت :
ينص الدستور الكويتي في المادة ( 173 ) منه علي ما يلي :
" يبين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح ويبين صلاحياتها والإجراءات التي تتبعها ، ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدي تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح ، وفي حالة تقرير الجهة المذكورة عدم قانون أو لائحة يعتبر كان لم يكن " . .
وقد جاء في المذكرة التفسيرية للدستور تعليقا علي المادة ( 173 ) ما نصه " . . اثر الدستور أن يعهد بمراقبة دستورية القوانين ( واللوائح ) إلى محكمة خاصة يراعي في تشكيلها وإجراءاتها طبيعة هذه الجهة الكبيرة . . بدلا من أن يترك ذلك لاجتهاد كل محكمة علي حدة مما قد تتعارض معه الآراء في تفسير النصوص الدستورية أو يعرض القوانين ( واللوائح ) للشجب دون دراسة لمختلف وجهات النظر والاعتبارات . . فوفقا لهذه المادة يترك للقانون الخاص بتلك المحكمة الدستورية مجال إشراك مجلس الأمة بل والحكومة في وضع التفسير القضائي الصحيح لاحكام القوانين وفي مقدمتها الدستور قانون القوانين " .
والذي يستفاد من نص الدستور ومن المذكرة التفسيرية . . أن الدستور اختار أن يعهد بالرقابة علي دستورية القوانين واللوائح إلى " جهة " قضائية واختار أن يجعل الرقابة مركزية في يد هذه الجهة وحدها دون غيرها .
ورغم أن الدستور الكويتي قد صدر في 11 نوفمبر 1962 م . . فان قانون إنشاء المحمكة الدستورية قد تأخر عن ذلك أحد عشر عاما . . حيث صدر القانون رقم 14 لسنة 1973 م بإنشاء المحكمة الدستورية في 9 يونيه 1973 م .
وقد نصت المادة الأولى من ذلك القانون علي أن " . . تنشأ محكمة دستورية تختص دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية وبالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح وفي الطعون الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس الأمة أو بصحة عضويتهم ، ويكون حكم المحكمة الدستورية ملزما للكافة ولسائر المحاكم " .
ويلاحظ أن قانون الإنشاء اتجه إلى صيغة " المحكمة " وليس " الجهة " كما عبر الدستور ، وفي تقديري أن الدستور عندما اختار لفظ " جهة قضائية " . . كان يقصد إلى أن لا يقتصر تشكيل المحكمة علي القضاة وحدهم وانما أجاز الدستور أن تشارك الحكومة ومجلس الأمة في اختيار أعضاء المحكمة أو بعضهم ومع ذلك فان اتجاه القانون إلى " المحكمة " في بلاد مثل بلادنا قد يكون اكثر معقولية واكثر تحقيقا للحيدة .
وتؤلف المحكمة الدستورية من خمسة مستشارين يختارهم مجلس القضاء بالاقتراع السري كما يختار عضوين احتياطيين . . ويشترط أن يكونوا من الكويتيين ويصدر بتعيينهم مرسوم .
ويفهم من نصوص قانون المحكمة الدستورية أن هؤلاء المستشارين الخمسة ليسوا متفرغين تماما لعملهم في المحكمة الدستورية ، وانما هم يقومون بوظيفتهم الدستورية إلى جوار عملهم الأصلي باعتبارهم أعضاء بدائرة التمييز أو محكمة الاستئناف .
وهكذا . . فان الأصل في مستشاري المحكمة الدستورية انهم – أصلا – مستشار في دائرة التمييز أو في محكمة الاستئناف ، وان مجلس القضاء يختارهم للقيام بوظيفة الرقابة القضائية الدستورية وسائر الاختصاصات الأخرى التي جاءت في القانون إلى جوار عملهم في القضاء العادي سواء في الاستئناف أو النقض .
اختصاصات المحكمة الدستورية :
الذي يهم من نص الدستور – م 173 – أن المحكمة تختص في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح .
ولكن الدستور أجاز لقانون إنشاء المحكمة أن يضيف إليها اختصاصات أو في . . وبالفعل فانه وفقا للمادة الأولى من قانون إنشاء المحكمة . . فأنها تختص .
(أ) بتفسير النصوص الدستورية .
(ب) الفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح .
(ج) الفصل في الطعون الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس الأمة .
(د) الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الأمة .
وحسناً فعل المشرع الكويتي إذ عهد إلى جهة قضائية بالفصل في الطعون الانتخابية وفي صحة عضوية أعضاء البرلمان بدلً أن يترك ذلك للبرلمان نفسه وهو جهة سياسية يغلب عليها الهوى والانحياز اكثر من الحيدة والموضوعية التي تتوافر في الجهة القضائية .
كيفية انعقاد اختصاص المحكمة الدستورية :
اختار المشرع الكويتي أن يكون انعقاد الاختصاص للمحكمة الدستورية حينا بطريق الدعوى الأصلية وحينا أخر بطريق الدفع .
أما طريق الدعوى الأصلية . . فقد أباحه المشرع لإحدى جهتين : مجلس الأمة أو مجلس الوزراء . . وهذا يعني أن الحكومة تستطيع أن ترفع دعوي دستورية أصلية ومباشرة أمام المحكمة الدستورية طاعنة في قانون أصدره مجلس الأمة حتى رغم موافقة الأمير عليه .
كذلك ومن ناحية أخرى . . فان القانون أعطى مجلس الأمة الحق في رفع دعوي دستورية مباشرة أمام المحكمة الدستورية طاعنة في قانون أصدره مجلس الأمة حتى رغم موافقة الأمير عليه .
كذلك ومن ناحية أخرى . . فان القانون أعطى مجلس الأمة الحق في رفع دعوي دستورية مباشرة أمام المحكمة ، ولكن للطعن في ماذا ؟ هل تصور أن يطعن مجلس الأمة بعدم دستورية قانون قام هو بإقراره . . ثم صدره الأمير ؟ .
من الصعب تصور ذلك . . ولو أن القانون أباح لعدد محدود من أعضاء المجلس الحق في هذا الطعن المباشر لتصورنا أن الأقلية التي لم توافق علي القانون يكون من حقها الطعن بعدم دستوريته ، ولكن هذا الفرض غير وارد حيث أن النص يقول . . إن الطعن يتم " بطلب من مجلس الأمة " وليس بطلب من عضو أو عدد من أعضائه ، ومفهوم هذا أن المجلس – بصفته – هو الذي يتقدم بطلب الحكم بعدم الدستورية ، والمتصور والحالة هكذا أن يقتصر هذا الحق علي الطعن في المراسيم بقوانين وفي اللوائح .
أما طريق الدفع . . فقد أعطاها المشرع لإفراد الناس الذين يتقاضون أمام المحاكم ويقدرون أن أقضيتهم سيطبق عليها قانون أو نص في قانون يرون انه مخالف للدستور فيقومون بالدفع أمام المحكمة التي تنظر الموضوع بعدم دستورية نص القانون أو المرسوم أو اللائحة المقصود تطبيقه عليهم .
وهذا الدفع يخضع لتقدير محكمة الموضوع . . فان هي قدرت أن الدفع جدي أوقفت نظر القضية وأحالت الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه .
وهناك وسيلة أخرى لعقد اختصاص المحكمة الدستورية وهي طريقة الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية من تلقاء نفسها – أي محكمة الموضوع – إذا غم عليها الأمر وتشككت في دستورية قانون أو نص في قانون أو مرسوم أو لائحة يراد منها تطبيقه علي موضوع النزاع وتستشعر المحكمة أو تتشكك في أن النص غير دستوري . . عندئذ تحيل محكمة الموضوع الأمر إلى المحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص وحدها في الفصل في المنازعات الدستورية .
ولكن .. ماذا إذا قررت محكمة الموضوع التي دفع أحد الأطراف أمامها بعدم دستورية نص أن هذا الدفع غير جدي ولم تستجب له ولم تفحل الأمر إلى المحكمة الدستورية . . هل ينتهي الأمر عند هذا الحد ؟
عندنا في مصر – كما سنري فيما بعد – يستطيع صاحب الدفع أن يستأنفه بل وان يصل به إلى محكمة النقض .
وقد اختار المشرع الكويتي طريقا أخر بان انشأ داخل المحكمة الدستورية من بين أعضائها لجنة اسماها " لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية " وشكلها من رئيس المحكمة واقدم اثنين من المستشارين . . وعهد إليها بالفصل في الطعون التي يرفعها ذوو الشأن من الإفراد الذي قدرت محاكم الموضوع عدم جدية ما أبدوه من دفوع .
تقول الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون إنشاء المحكمة " . . ويجوز لذوي الشأن الطعن في الحكم الصادر بعدم جدية الدفع وذلك لدي لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية في خلال شهر من صدور الحكم المذكور . . وتفصل اللجنة المذكورة في هذا الطعن علي وجه الاستعجال " .
ولجنة فحص الطعون إذ تختص بنظر هذه الطعون . . فأنها بذلك تحجب المحاكم من الدرجة الأعلى بالنسبة للمحكمة التي حكمت بعدم الجدية من النظر في هذه الطعون وهي بصدد النظر في استئناف مرفوع أمامها .
وفي ذلك قالت المحكمة الدستورية في أسباب حكمها الصادر بتاريخ : 21/6/1994 م في القضية رقم (2) سنة 1994 م دستوري (30) .
" . . لما كان ذلك وكانت محكمة الموضوع قد قضت في أول درجة بأسباب حكمها الصادر بتاريخ : 24/10/1992 والمرتبطة بالمنطوق بعدم جدية الدفع بعدم دستورية القانون رقم 114 / 86 بشأن المصورات الجوية ، وإذ لم يطعن مورث الطاعنين في هذا الحكم أمام لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية ، والمختصة وحدها بنظر ذلك الطعن والفصل فيه دون محكمة الاستئناف التي طرح عليها الطعن فيكون قضاءها بتاريخ : 28/12/1994 بإحالة المنازعة الدستورية في القانون سالف الذكر إلى هذه المحكمة غير جائز لانتفاء ولايتها في هذا الخصوص ، ويكون اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى المطروحة قد جاء بغير الطريق القانوني ، بما تضحي معه الدعوى الدستورية غير مقبولة ، وهو ما يتعين القضاء به . . " .
والحقيقة أن لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية الكويتية أثارت بعض الجدل لدي دارسي الموضوع من أساتذة الحقوق في الكويت .
وقد آثار البعض شكوكا حول دستورية هذه اللجنة . . ذلك أن النص الدستوري لم يشر إليها ، وانما أنشأها قانون المحكمة . . كما أثير أيضا مدي اتفاق وجود هذه اللجنة ونهائية أحكامها وحجبها لكثير من القضايا من أن تصل إلى المحكمة الدستورية . . أثير أيضا مدي اتفاق ذلك مع مبدأ مركزية الرقابة الذي اخذ به الدستور عندما عهد إلى جهة واحدة دون غيرها برقابة دستورية القوانين .
والحقيقة أن هذه اللجنة قامت بدور واضح في عدم وصول كثير من القضايا التي لم تقبل المحاكم الموضوعية فيها جدية الدفوع إلى المحكمة الدستورية وذلك باتجاهها الغالب لتأييد محاكم الموضوع في رفض الدفوع واعتبارها غير جدية . . ويبدو أن لجنة فحص الطعون في كثير من الحالات تجاوزت أمر النظر السريعة إلى الدفع وذهبت إلى أن تصورت انها " محكمة دستورية من درجة أولى – وإن كان قرارها نهائيا – وتعرضت لدستورية النصوص المطعون فيها .
ولم يكن هناك مبرر لهذه اللجنة خاصة وان الطعون ليست كثيرة . . فعلي مدي سنوات طويلة – حوالي ثلاثين عاما – لم تفصل المحكمة الدستورية إلا في عدد محدود من القضايا منها كثير من المتشابهات التي يجري الحكم في واحدة منها علي كثير من القضايا المماثلة .
ويحسن المشروع الكويتي لو عدل القانون الخاص بالمحكمة الدستورية والغي هذه اللجنة التي لا سند لها في الدستوري .
والحقيقة أن المحكمة الدستورية في الكويت . . مازال دورها محدوداً وغير مؤثر . . بل إن المتغلين بالمسائل الدستورية في جامعة الكويت لا ينظرون إلى أحكامها نظرة الرضا والقناعة (31) .
ثانياً – المجلس الدستوري في المغرب :
انتهت الحماية الفرنسية علي المغرب وبدا عهد الاستقلال من الناحية العملية بعودة الملك محمد الخامس من المنفي في 16 نوفمبر 1955 ، ولكن من الناحية الرسمية تحقق الاستقلال بمقتضى المعاهدات بين فرنسا والمغرب في 2 مارس 1956 والتي أعلنت بمقتضاها إلغاء الحماية واستقلال المغرب .
وفي عام 1962 صدر أول دستور في المغرب في عهد الملك الحسن الثاني وتم استفتاء الشعب عليه في 7 ديسمبر 1962 م .
وفي ويونيه 1965 م أوقف العمل بالدستور .
وصدر دستور ثان في يونيه 1970 .
ودستور ثالث في مارس 1972 والذي عدل في 1992 م ثم في أكتوبر 1996 م ، وقد تأثرت هذه الدساتير جميعا بالدستور الفرنسي الصادر في عام 1958 م والذي يطلق عليه أحيانا دستور ديجول .
وكان طبيعيا أن تتأثر المغرب الدستور الفرنسي نظرا للروابط الثقافية والسياسية والتاريخية بين البلدين . . يقول الدكتور عبد الكريم غلاب " . . من مقارنة بسيطة بين الدستور الفرنسي لسنة 1958 والدستور المغربي . . نجد أن الدستور المغربي اعتمد علي الفرنسي كامل الاعتماد . . نجد أن الدستور الغربي اعتمد علي نصوص الدستوري الفرنسي كاملا أو بعضا وكثير من الفصول ( المواد أو فقرات من الفصول نقلها بالحرف . . " (32) .
وقد صدر القانون الخاص بالمجلس الدستوري في المغرب في ظل دستور 1962 م الذي كان ينظم في الباب السادس منه المجلس الدستوري في المواد من 76 إلى 79 ، والتي يجري نصها علي النحو الآتي :
الفصل السادس والسبعون : يحدث مجلس دستوري .
الفصل السابع والسبعون : يتألف المجلس الدستوري من :
* أربعة أعضاء يعينهم الملك لمدة ست سنوات .
* أربعة أعضاء يعينهم رئيس مجلس النواب لنفس المدة بعد استشارة الفرق النيابية .
وعلاوة علي الأعضاء المشار إليهم أعلاه يعين الملك رئيس المجلس الدستوري لنفس المدة .
يجدد كل ثلاث سنوات نصف كل فئة من أعضاء المجلس الدستوري .
الفصل الثامن والسبعون : يحدد قانون تنظيمي قواعد تنظيم وسير المجلس الدستوري والإجراءات المتبعة أمامه خصوصا ما يتعلق بالآجال المقر لعرض مختلف النزاعات عليه .
ويحدد أيضا الوظائف التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المجلس الدستوري ، وطريقة أجراء أول تجديد نصفي لأعضائه ، وإجراءات تعيين من يحل محل أعضائه الذين استحال عليهم القيام بمهامهم أو استقالوا أو توفوا أثناء مدة عضويتهم .
الفصل التاسع والسبعون : يمارس المجلس الدستوري الاختصاصات المسندة إليه بفصول الدستور أو بأحكام القوانين التنظيمية . . ويفصل بالإضافة إلى ذلك – في صحة انتخاب أعضاء مجلس النواب وعمليات الاستفتاء .
تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها ، والنظام الداخلي لمجلس النواب قبل الشروع في تطبيقه إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
وللملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو ربع الأعضاء الذين يتألف منهم هذا المجلس أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
يبت المجلس الدستوري في الحالا المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين خلال شهر . وتخفض هذه المدة إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة إذا كان الأمر يدعو إلى التعجيل .
يترتب علي إحالة القوانين إلى المجلس الدستوري في الحالات المشار إليها أعلاه وقف سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذها .
لا يجوز إصدار أو تطبيق أي نص يخالف الدستور .
لا تقبل قرارات المجلس الدستوري أي طريق من طرق الطعن ، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية " .
وعندما وقع التعديل الدستوري الأخير في أكتوبر 1996 لحقت المواد المتعلقة بالمجلس الدستوري بعض التعديلات .
فقد نصت المادة التاسعة والسبعون علي أن يتألف المجلس الدستوري من اثني عشر عضوا – كانوا من قبل ثمانية – يعين الملك منهم ستة أعضاء ويعين الستة الآخرين مناصفة كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين علي حين كان النص القديم يعطي لرئيس مجلس النواب حق تعين أربعة أعضاء هم نصف أعضاء المجلس آنذاك .
ويشترك النصان أن الملك يعين رئيس المجلس من بين الأعضاء الذين يعينهم .
ومن الأحكام الجديدة في الدستور المعدل . . أن مدة أعضاء المجلس الدستوري – تسع سنوات – غير قابلة للتجديد بعد أن كانت في النص القديم ست سنوات ، وكانت قابلة للتجديد مرة واحدة .
وتجري النصوص بعد تعديلها في الدستور علي النحو التالي :
الفصل الثامن والسبعون :
يحدث مجلس دستوري .
الفصل التاسع والسبعون :
يتألف المجلس الدستوري من ستة أعضاء يعينهم الملك لمدة تسع سنوات ، وستة أعضاء يعين ثلاثة منهم رئيس مجلس النواب وثلاثة رئيس مجلس المستشارين لنفس المدة بعد استشارة الفرق ، ويتم كلا ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المجلس الدستوري .
يختار الملك رئيس المجلس الدستوري من بين الأعضاء الذين يعينهم .
مهمة رئيس وأعضاء المجلس الدستوري غير قابلة للتجديد .
الفصل الثامنون :
يحدد قانون تنظيمي قواعد تنظيم وسير المجلس الدستوري والإجراءات المتبعة أمامه خصوصا ما يتعلق بالآجال المقررة لعرض مختلف النزاعات عليه .
ويحدد أيضا الوظائف التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المجلس الدستوري . وطريقة أجراء التجديدين الأولين لثلث أعضائه ، وإجراءات تعيين من يحل محل أعضائه الذين استحال عليهم القيام بمهامهم أو استقالوا أو توفوا أثناء مد عضويتهم .
الفصل الحادي والثمانون :
يمارس المجلس الدستوري الاختصاصات إليه بفصول الدستور أو بأحكام القوانين التنظيمية ، ويفصل – بالإضافة إلى ذلك – في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء .
تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها والنظام الداخلي لكل من مجلسي البرلمان قبل الشروع في تطبيقه إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
وللملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاء مجلس النواب أو أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور .
يبت المجلس الدستوري في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين خلال شهر ، وتخفض هذه المدة إلى ثمانية أيام بطلب من الحكومة إذا كان الأمر يدعو إلى التعجيل .
يترتب علي إحالة القوانين إلى المجلس الدستوري في الحالات المشار إليها أعلاه وقف سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذها .
لا يجوز إصدار أو تطبيق أي نص يخالف الدستوري .
لا تقبل قرارات المجلس الدستوري أي طريق من طرق الطعن ، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية " .
ويبين واضحا من هذه النصوص سواء قبل تعديلها أو بعد تعديلها عام 1956 إلى أي مدي تأثرت هذه النصوص بالتجربة الفرنسية في الرقابة السابقة علي دستورية القوانين بواسطة " مجلس دستوري " مما يجعل التجربة الفرنسية في هذا الخصوص بمثابة الأصل التاريخي للتجربة المغربية .
وننتقل الآن إلى دراسة نصوص القانون التنظيمي – loi organique – المنظمة للمجلس الدستوري وهو القانون الصادر في 14 رمضان هـ - الموافق 25 فبراير 1994 ميلادية .
وقد كانت المادة الأولى من ذلك القانون تتحدث عن أن المجلس يتكون من ثمانية أعضاء – كما تقدمت الإشارة إليه – ولكن التعديل الدستوري جعل عدد الأعضاء اثني عشر عضواً يعينون لمدة ست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة .
وكل ثلاث سنوات يجدد نصف عدد الأعضاء الذين عينهم الملك ونصف عدد الأعضاء الذين عينهم كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين .
وأعضاء المجلس الدستوري لا يجوز لهم الجمع بين عضوية المجلس وعضوية الحكومة أو أي من مجلسي البرلمان – النواب أو المستشارين – أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، وكذلك أي وظيفة عامة أخرى .
ويلتزم أعضاء المجلس الدستوري بامتناع عن كل ما من شانه أن ينال من استقلالهم من كرامة المنصب الذي يتقلونه .
ويؤدي رئيس المجلس وأعضاؤه قبل مباشرة عملهم اليمين أمام الملك ، ويعقد المجلس جلساته في غير علانية .
اختصاصات المجلس الدستوري في المغرب :
شانه في ذلك شان المجلس الفرنسي فان هناك اختصاصات وجوبيه وأخري جوازيه .
وعلي أي حال فانه سواء بالنسبة للاختصاصات الوجوبية أو الجوازية فان رقابة المجلس هي رقابة سابقة أي قبل إصدار القانون . . ذلك أن القانون بعد أن يصدر لا يجوز الطعن فيه بعدم الدستوري .
الاختصاصات الوجوبية :
(أ) تحال إلى المجلس الدستوري القوانين العضوية أو التنظيمية بواسطة الوزير الأول بعد إقرارها من مجلس النواب وقبل التصديق عليها من الملك . فإذا رأي المجلس الدستوري انها مطابقة للدستور أصداها الملك ، وإذا رأي المجلس عدم مطابقتها فأنها تعتبر كان لم تكن .
(ب) كذلك يحيل رئيس مجلس النواب إلى المجلس الدستوري النظام الداخلي لمجلس النواب والتعديلات المدخلة عليه بعد إقرارها من قبل البرلمان وقبل التصديق عليها من الملك .
الاختصاصات الجوازية :
ويجوز للملك قبل أن يصدر القانون كما يجوز للوزير الأول ولرئيس كل من المجلسين أو لعدد من أعضاء كل مجلس – لا يقل عن ربع عدد الأعضاء – أن يطلب من المجلس الدستوري بيان وجه الراب في مطابقة تشريع معين أو عدم مطابقته للدستور .
ويبت المجلس الدستوري في مطابقة القانون للدستور خلال شهر من أحالته إليه أو في غضون ثمانية أيام في حالة الاستعجال .
" لاحظ التطابق بين النصين الفرنسي والمغربي " .
(ج) يختص المجلس الدستوري المغربي أيضا – شانه شان المجلس الفرنسي – بالنظر في المنازعات المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب .
(د) ويتولى المجلس الدستوري أيضا مراقبة سلامة عمليات الاستفتاء كما يعلن نتائج الاستفتاء .
ويجوز الرجوع إلى قرارات المجلس الدستوري الفرنسي للاستعانة بها في المغرب نظرا لتماثل النصوص في كل من البلدين .

0 التعليقات