بحث قانوني: إعداد التراب ليس مسألة حديثة،
بقلم الاستاذ/ على محول
مقدمــــة:إن إعداد التراب ليس مسألة حديثة، وإنما تعود جذوره إلى المجتمعات القديمة، حيث ظهر في البداية كممارسة إنسانية من قبل الجماعة التي تعيش داخل مجال ترابي معين، وذلك من خلال تهيئته وإعداده بشكل آلي دون تدخل الدولة أو السلطة، ثم ظهر بعد ذلك كمفهوم في فرنسا مع Claudius Petit.
إعداد التراب مفهوم مركب يتكون من كلمتين إعداد والتراب، فالتراب هو مكون من مكونات الدولة، والدولة حينما تكون بصدد إعداد التراب، فهي في الحقيقة تقوم بتنظيم نفسها وتنظيم المجتمع. ويقابله في اللغة الفرنسية مصطلح Aménagement de Territoire الذي يتكون من كلمة مفتاح و هي "إعداد" / Aménagement ، وإن كان بعض الباحثين يستعملون تارة " إعداد" و تارة أخرى "التهيئة"، وكان الإجماع قد وقع لدى الباحثين باللغة الفرنسية أو الإنجليزية على مصطلح Aménagement الذي يتضمن فكرة تدبير الثروات الوطنية كما هو الحال بالنسبة للمصطلح الأصلي الذي اشتق منه aMénager" والذي يعني استعمال باقتصاد أو حسن الاستعمال لشيء معين. وفي معناه الاصطلاحي يفيد مجموع الإجراءات والتدابير المتخذة من أجل إعداد توقعي لمجال ترابي محدد بهدف الوصول إلى تنمية شمولية ومتوازنة يراد بها الحد من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف أجراء هذا المجال" .
إن إعداد التراب يفيد البحث داخل إطار جغرافي محدد، على أفضل الوسائل لتوزيع الطاقات البشرية حسب الثروات الطبيعية والأنشطة الاقتصادية، وإذا كان ظهوره يعود إلى الثورة الصناعية في أوربا فإن إدماج المجال الجغرافي في التحليل لم يشرع العمل فيه إلا انطلاقا من القرن الماضي، كما أن إعداد التراب كسياسة لتنظيم هذا الفضاء لم ترى النور إلى بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان له في البداية مفهوم تعميري يهدف إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب العالمية الثانية من مدن، مع محاولة عقلنة أشغال واستغلال المجال ( مناطق السكن، مناطق الإنتاج...) ،وفي مرحلة موالية كان يهم تنمية مختلف جهات التراب الوطني وإقامة التوازن وتصحيح الاختلالات بين المناطق، والهدف من كل هذا هو إعطاء الإنسان المكانة الأولى وتلبية حاجياته وتحسين عيشه بفعل الاستغلال العقلاني للتراب والثروات الوطنية.
ومن الناحية العلمية شهد القرن الماضي تطورا ملموسا في الدراسات التي تعنى بهذا المجال ، كما تم خلاله إقرار العمل بتدريسه في المعاهد المتخصصة والجامعات كمادة علمية. وذلك لأهميتها وتأثيرها على حياة الإنسان وتنظيم عيشه فوق المجال الذي ينتمي إليه.
فإعداد التراب بسبب ما يطرحه من الإشكاليات في كل الدراسات التي تعنى ببحث علاقة الإنسان بمحيطه، ستكثر المقاربات عند تعريفه كلا حسب مشربها العلمي و ميدان اهتمامها، بل وحتى حسب تموضعها في الزمكان، ذلك أن إعداد التراب ما فتئ تعريفه يتقلب حسب الظرف الزمكاني الذي يعايشه. إن الهدف من إعداد التراب هو إقامة توازن بين مختلف مناطق البلاد، لأن إعداد التراب يهم مسألة في غاية الأهمية هي التراب، ويهم أيضا الماضي والحاضر والمستقبل.
لقد تعددت التعريفات التي قدمها كل من العلوم المهتمة والفقه لإعداد التراب، فهل نجحا في وضع مفهوم دقيق له وإزالة الغموض واللبس عنه وتمييزه عن المفاهيم المشابهة ( كالتعمير والجهوية..).وماهي الدوافع التي كانت وراء ظهور إعداد التراب؟
وسوف نقوم بمعالجة هذا الموضوع وفق التقسيم المنهجي التالي:
المبحث الأول: تأصيل مفهوم إعداد التراب
المطلب الأول: إرهاصات ظهور إعداد التراب .
المطلب الثاني: الظهور الفعلي لإعداد التراب كمفهوم.
المبحث الثاني: تحديد مفهوم إعداد التراب
المطلب الأول: التعريف الفقهي لإعداد التراب.
المطلب الثاني: تحديد عناصر مفهوم إعداد التراب.
1/ تأصيل إعداد التراب
عند الحديث عن التأصيل، فإننا نبحث عن الأصول والجذور، وهذا ما سنستشفه من خلال دراسة ما سبق إعداد التراب إلى حين ظهوره كمفهوم، فإعداد التراب ظهر في البداية كممارسة (المطلب الأول) ، قبل أن يظهر كمفهوم (المطلب الثاني).
1-1 إرهاصات ظهور إعداد التراب
إعداد التراب ليس وليد اليوم، وإنما هو نتاج لتطور الحضارات القديمة، التي طبقته بشكل واعي أو غير واعي. فإبان الثورة الصناعية التي شهدتها أوربا في القرن 18، كان هناك نوع من اللامبالاة لإعداد التراب من قبل الدول، فظهرت نتيجة لهذه الطفرة الصناعية، تزايد حدة الهجرة القروية، مما أنتج لنا تفاوتات واختلالات مجالية خطيرة، خلقت لنا أحياء فقيرة وأخرى غنية تتمركز في مركز البلاد، حيث سادت فكرة أساسية ألا وهي إعطاء الفرد الحرية في اختيار المكان الذي يريد الاستقرار فيه، وذلك لاستغلال الموارد المتوفرة أحسن استغلال، فاختيار مكان الاستقرار أمر يعود للفرد نفسه و ليس لحكومة البلد.
ولقد كانت للإبداعات الفكرية دور مهم في تسليط الضوء على هذه الظاهرة والتحسيس بخطورتها، ومن أمثلة على ذلك: البؤساء لفكتور هيجو، الذي وصف وانتقد الظلم الاجتماعي في فرنسا بين سقوط نابليون في 1815 و الثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب في 1832، إبداعات شارلي شابلن، ومدن مفترسة لإميل فير هايرن...إلى غيرها.
وعرف القرن 19 إنعكاساته الاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية نتيجة لسيادة الليبرالية، حيث كان العمال متضررين، فظهرت نتيجة لذلك الاشتراكية مع كارل ماركس نبهت للأخطار التي يمكن أن تنتج عن مثل هذه الأوضاع.
وفي القرن 20 أخذت هذه التفاوتات بعدا دوليا، بحيث وجدت دول تعيش رفاها، في حين أن هناك دول تعيش ظروف عيش صعبة، ما نتج عنه بروز دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة ، وهذا ما أدى إلى تدويل مسألة إعداد التراب، فأصبحت هناك رغبة وتفكير جدي للقضاء على التفاوتات المجالية، سواء داخل الدولة نفسها أو بين الدول في المجتمع الدولي، ودائما كانت هذه الاختلالات المجالية تؤدي إلى الهجرة من القرى إلى الحواضر والمراكز ذات الإشعاع الصناعي والاقتصادي. ولقد شهدت الحرب الكونية الثانية هجرة دولية، حيث نتج عنها العديد من المشاكل، كظهور أحياء هامشية تتجمع فيها الطبقة الفقيرة، فعلى المستوى الخارجي، نتج عن الهجرة مشاكل كالتمييز العنصري وصعوبة الاندماج، وعلى المستوى الداخلي برزت مساعدات تتمثل في التضامن بين الجهات الغنية والفقيرة. وهذا ما دفع الدول إلى إعادة النظر في سياساتها المتبعة لمحاربة هذه المشاكل عن طريق سياسة إعداد التراب أو تهيئة التراب . لأن الإنسان يشكل الهاجس المشترك بين السياسات التي استهدفت إعداد التراب في شتى الدول، بغية تحقيق أشمل لسعادته وتوفيره بكل سبل الراحة والاكتفاء في الوسط الذي يحتضنه. ولقد انصب اهتمام الدول آنذاك نحو الحروب والتسابق في المجال الصناعي، ولم تكن هناك بوادر للاهتمام بالتراب، لكن الوضع بدأ يتغير مع وعي العديد من الدول على ضرورة الاهتمام الترابي لإقليمها.
وجاء هذا الوعي بعدما تبين للدول الخطر الذي تعيشه شعوبها، نظرا لعدم الاستقرار وازدياد الهجرة إلى الحواضر، ما نتج عنه تفاوت مجالي بين مناطق البلاد، ومن بين الأسباب التي كانت وراء الاهتمام بإعداد التراب نذكر الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929، والتي أدت تداعياتها لإتخاذ مجموعة من التدابير سياسية جديدة جاء به الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت سنة 1933 وكان من بينها برنامج نهر Tennessee ،الذي يشكل أولى عمليات إعداد التراب طبق في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو عبارة عن تنظيم فدرالي لتحسين حوض نهر تينيسي تحت إدارة لجنة مكونة من ثلاثة أشخاص معينين من طرف الرئيس، عهد إليها بالإشراف على بناء سدود لمقاومة مياه النهر وروافده، وتطوير الأراضي في وادي تينيسي والحد من الفيضانات وزيادة إنتاج الطاقة الكهرومائية وتوفير فرص للعاطلين عن العمل.
سادت في هذه الفترة الليبرالية المتوحشة، حيث كان تدخل الدولة في المجال الاقتصادي محظورا. وقد تأثرت بهذه السياسة بريطانيا نظرا للعلاقة الإستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة الامريكية، التي كان بها كذلك فكر اقتصادي متوحش، كما هو الحال في تلك الفترة في الولايات المتحدة الامريكية. وكان للازمة الاقتصادية لسنة 1929 كذلك الدور الرئيسي في إعادة النظر في الاختلالات المجالية والصناعية بين مناطق البلاد، ولمعالجة هذه الاختلالات وإعادة إحياء المناطق المتضررة من جراء الأزمة الاقتصادية، قام رجال التخطيط بالتمييز بين 4 جهات في التراب البريطاني:
جهات من أجل التنمية: تضم المناطق ذات الموارد الطبيعية أو الزراعية غير المستغلة بعد.
جهات من أجل الإنعاش : تحظى به المناطق الوسطية أي الواقعة بين المدن الجهوية الصناعية والمناطق التي تعرف توسعا عشوائيا.
جهات من أجل التصحيح: تضم المدن التي احتضنت التصنيع لمدة طويلة، فصارت الضرورة ملحة لإعادة تجديدها والعمل على إرجاعها إلى وضع أكثر لياقة.
جهات من أجل التخفيف: وهي تلك التي يجب... عليها عن طريق التقليص مما تعانيه من كثافة القطاعات الثالثية ( خدمات، تجارة، تأمينات..) وكذا مراقبة وثيرتها المفرطة في النمو الديموغرافي، إضافة إلى ضبط تضخمها العمراني، هذه التقسيمات هي التي شكلت محور التقرير المعروف بتقرير بارلو barlaw سنة 1939، والذي شكل الإطار المؤسس لإعداد التراب ببريطانيا .
1-2 الظهور الفعلي لإعداد التراب كمفهوم.
قبل سنة 1945، كان هناك غياب اهتمام بإعداد التراب، وحسب Jean-François-Gravier فإن تعبير إعداد التراب ظهر سنة 1944، حيث ظهرت مصلحة إعداد التراب” “Service d’ Aménagement du Territoire في إطار مندوبية التجهيز الوطني في حكومة "فيشي"، وأنتجت هذه المصلحة العديد من التقارير حول تخفيف الازدحام décongestion بالمراكز الصناعية. وبالتالي فهو ظهر هناك كمؤسسة أي كبنية إدارية، حيث أن فرنسا كغيرها من الدول عرفت في هذه الفترة اختلالات وتفاوتات مجالية، وفي سنة 1947 أقدم Jean-François-Gravier على تأليف كتاب " باريس والصحراء الفرنسية" Paris et le desert français "، هذا الكتاب أورد فيه خطورة الوضع القائم في فرنسا، ويقصد هنا بالصحراء الفرنسية انعدام بدون شك الإنسان ومختلف النشاطات. وقد بين Jean-François-Gravier أن 18% من السكان الفرنسيين يقطنون في منطقة باريس والتي تحتكر وحدها ثلث الصناعة التحويلية وأكثر من نصف القطاعات ذات الانتشار الواسع كالصناعة الإلكترونية وصناعة السيارات وكذلك أكثر من 4/3 من الحاملين للدبلومات العليا.
لكن الأمر يختلف مع Claudius Petit ، حيث اعتبر أن إعداد التراب ظهر كمضمون وليس كبنية إدارية، ويعتبر C.Petit أول من استعمل كلمة "إعداد التراب" ، وكان له دور بارز في جعل إعداد التراب من بين الأهداف الحكومية ، وكان ذلك بمداخلة في مجلس الوزراء حدد من خلالها هوية إعداد التراب واقترح تعريفا له. وفي عام 1949 أخدت مديرية التعمير بوزارة البناء والتعمير، اسم "مديرية إعداد التراب"، وأصبحت سنة 1963 la Direction de l’Aménagement Foncier et de l’Urbanisme مديرية إعداد التراب والعقار والتعمير. وسنة 1950 تم الإعلان عن إنشاء مديرية وزارية لإعداد التراب، تم في عام 1954 تم الإعلان عن سياسة إعداد التراب، وقام الوزير الأول Michel Debré سنة 1959 باجتماع مع الوزاء المعنيين بإعداد التراب وانتهى بإحداثComité Interministériel d'Aménagement du (CIAT) Territoire سنة 1960 اللجنة بين وزارية لحل المشاكل المجالية لإعداد التراب ، وهو أول وزير طرح مسألة نقاش إعداد التراب أمام البرلمان سنة 1963، واتبعت بإحداث مفوضية إعداد التراب والعمل الجهوي Délégation à l'Aménagement du Territoire et à l'Action Régionale (DATAR)، بهذا الإحداث عرفت سياسة إعداد التراب طفرة سريعة .
وهكذا تعتبر فرنسا مهد ظهور مفهوم إعداد التراب، فيما ظهرت سياسة وإجراءات إعداد التراب في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
المبحث الثاني: تحديد مفهوم إعداد التراب
رغم قلة الدراسات الأكاديمية في موضوع إعداد التراب، فقد أضحى هذا الأخير يشكل اليوم موضوعا مركزيا ويحظى باهتمام خاص من قبل الدول سواء المتقدمة أو النامية منها. لهذا كان لابد من البحث في محاولة تشخيص في مفهوم إعداد التراب (المطلب الأول)، ثم نقوم باستخراج العناصر المكونة له ( المطلب الثاني).
المطلب الأول: التعريف الفقهي لمفهوم إعداد التراب.
يلاحظ قلة الكتابات الفقهية المتعلقة بتحديد مفهوم إعداد التراب، بل وحتى الموجودة منها فهي لا تقدم تعريفا شامل لهذا المفهوم. فكل فقيه يعرف إعداد التراب حسب الزاوية التي ينظر منها إليه، وهي غالبا ما تشمل جزء فقط من إعداد التراب، ومن بين هذه التعاريف نذكر:
تعريف الفقيه أندري ديلوبادير الذي جاء فيه: " من السهل تكوين فكرة عما تعنيه عبارة إعداد التراب الوطني، ومن الصعب في نفس الآن إن لم نقل من المستحيل إعطاؤها تعريفا أكيدا ومتكاملا". هذا التعريف ومن خلال التمعن فيه نجده لا يعطي معنى واضح المعالم ليشمل كافة الميكانيزمات ومبادئ مفهوم إعداد التراب.
هناك الاتجاه الغالب في تعريف إعداد التراب يرى بأنه: " تلك السياسة الاقتصادية والاجتماعية المعقلنة، التي يتبعها الانسان لاستغلال الموارد الطبيعية ولتحسين جودة المجال أو الوسط الترابي الذي يمارس فيه مختلف أنشطته ". وهناك أيضا إجماع على أن إعداد الترب ليست تقنية أو وسيلة فحسب، وإنما إعداد التراب هو سياسة الهدف منها الوصول إلى توزيع متوازن للنشاطات الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل وتحسين التجهيزات والوسائل الضرورية تبعا للتوجهات العامة للبلاد وحسب معطيات كل جهة .
في حين يعطي بعض الفقه مفهوما واسعا لإعداد التراب، إذ يعتبر François Lefebvre أن كل عمل يقوم به شخص يؤدي إلى امتلاك أو حيازة أو نقل أو التخلي عن المجال هو بطبيعته عمل لإعداد التراب، ويترتب عن ذلك أن مفهوم إعداد التراب يحيل إلى العمل الذي بواسطته يحل ممثلو الدولة محل الأشخاص المنفردون وما يمكن أن يتم بينهم من اتفاقات، باستعمال إن اقتضى الحال الاحتكار القانوني للقوة وذلك من أجل تحديد مكان وهدف وكيفيات احتلال واستعمال هذا الجزء أو ذلك من التراب.
يعرف الفقيه رولان إعداد التراب : " علم وفن... يهدف إلى تنظيم وتوزيع المجال الجهوي والوطني لمختلف الأنشطة البشرية حسب حاجيات الفرد والجماعة" .
ويرى دانييل كيشار: أن الطموح لإعداد التراب الوطني يقتضي العمل على أن توزع الثورة الوطنية توزيعا عادلا وأن يستفيد من الازدهار سكان المدن والأرياف والبوادي على حد سواء.
يقول lamour philippe أن إعداد التراب في السابق شكل المشكل الأساسي في فرنسا، ويقدم تعريفا له بكونه توجيه عقلاني تلعب فيه محددات طبيعية وإرادات فردية غير منسقة.
بينما الدكتور بنمير المهدي يعرف إعداد التراب بأنه العملية التقنية والفنية والإدارية، التي تسعى إلى تحقيق تنمية متناسقة ومتوازنة بين جميع الجهات والمناطق عن طريق توزيع عادل للثروات والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين العديد من التعريفات المقدمة حول مفهوم إعداد التراب تلك المقترحة سنة 1950 من قبل Claudius Petit الذي يرى أن أهمية إعداد التراب هي " البحث في الإطار الجغرافي لفرنسا عن أحسن تقسيم للسكان حسب وظيفة الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية، وهذا التعريف يتأسس على الهدف من إعداد التراب، وهو كافي ليشمل كل التطورات التي عرفها إعداد التراب.وفي الحقيقة جل هذه التعريفات والاقتراحات التي ساهم بها هؤلاء الفقهاء تبقى عامة وفضفاضة،و غائية اي انها تحدد اهداف اعداد التراب ولا تحدد وسائله و مضمونه و انضمته لكن أغلبها يلتقي في كون إعداد التراب يهم مسألة توطين الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية على التراب، وذلك بمراعاة نوع من التوازن في التوزيع الترابي لهذه الأنشطة.
المطلب الثاني: عناصر مفهوم إعداد التراب
اختلفت هي العناصر التي يؤدي استجماعها إلى بلورة مفهوم إعداد التراب، وذلك باختلاف التعريفات التي تناولت هذا المفهوم، حيث يلاحظ التركيز في كل تعريف على عنصر واحد دون باقي العناصر.
فبالرجوع إلى تعريف الفقيه ديلوبادير الذي اعتبر فيه، أنه من السهل تكوين فكرة عما تعنيه عبارة إعداد التراب، ومن الصعب إعطاؤه تعريفا متكاملا ، وبالتالي رفض إعطاء تعريفا يرتكز على عناصر محددة وذلك لصعوبة الأمر، ليعرفه فيما بعد بأن الأمر يتعلق بسياسة أي عمل للدولة، لا يمكن للخواص إنجازه، إذن ديلوبادير ركز على عنصر التبعية للدولة.
في حين اعتمد كل من رولان و كلوديوس و دانييل من خلال تعريفاتهم لمفهوم إعداد التراب، على عنصر الهدف أو الغاية من إعداد التراب حتى يمكن اعتباره كذلك، إلا أنهم اختلفوا في طبيعة هذا الهدف.
بينما اعتبر رولان أن الهدف من إعداد التراب يجب أن يكون هو توزيع الفضاء الجهوي والوطني حسب حاجيات الأفراد. واعتبره كلوديوس أنه البحث في الإطار الجغرافي عن أحسن تقسيم للسكان حسب الأنشطة الاقتصادية. و دانييل اعتبر إعداد التراب توزيع للثروة الوطنية توزيعا عادلا على المدن والأرياف.
أما فرانسوا اعتمد في تعريفه على عنصر طبيعة العمل المنجز، أي كل ما يقوم به شخص من عمل إلى امتلاك أو حيازة أو نقل أو التخلي عن المجال هو بطبيعته عمل لإعداد التراب.
بهذا تكون العناصر التي اعتمد عليها الفقهاء في تعريفاتهم، تميزت بالاختلاف وعدم الانسجام، إذ لم يتفقوا على عناصر محددة من شأنها أن تقدم لنا مفهوم إعداد التراب كلما اجتمعت جميعها . هي تعريفات غائية، أي تحدد الغاية من إعداد التراب ،وهذا ما يطرح إشكالا وغموضا في تعريفه، ويدفعنا إلى تحديد الفرق بين إعداد التراب وبين بعض المفاهيم المشابهة، طالما ليس هناك إجماع على العناصر المكونة له ، ومن هذه المفاهيم المشابهة نذكر مثلا: التعمير والمجال.
فما هو الفرق بين مفهوم إعداد التراب ومفهوم التعمير؟
يمكن تعريف إعداد التراب بأنه مجموع الإجراءات والتدابير المتخذة من أجل إعداد توقعي لمجال ترابي محدد بهدف الوصول إلى تنمية شمولية ومتوازنة يراد بها الحد من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف أجزاء هذا المجال . بينما التعمير يعرفه الفقيه أوبي (J.M Auby) "بأنه مجموعة من الإجراءات التقنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على تطوير المجتمعات بشكل منسجم وعقلاني" .
يتضح من خلال التعريفين السابقين أن كلاهما ( التعمير وإعداد التراب) يهتم بتنظيم وتدبير المجال والنهوض بتنميته ويشتغلان بأدوات مشتركة. بل أكثر من ذلك تعتبر أدوات قانون التعمير وقواعده ، أداة رئيسية لتحقيق غايات إعداد التراب. ومع ذلك فإن هناك اختلاف جوهري بينهما، يتجلى في النقط التالية:
من حيث تاريخ الظهور، ظهر قانون التعمير في القرن 19 م، أي قبل ظهور إعداد التراب.
اختلاف جغرافي، حيث يسعى إعداد التراب إلى التصدي لمشاكل التهيئة والتنمية على مستوى أوسع، على الأقل الجهوي أو التراب الوطني ولا يكتفي بمدينة واحدة ، وهو ما يسمى Macro- Aménagement التهيئة الشمولية. في حين يسعى قانون التعمير إلى الاهتمام بقضايا تهيئة جزئية Micro- Aménagement .
من حيث التقنين، قانون التعمير هو قانون مقنن، تحكمه قواعد دقيقة، أما إعداد التراب فهناك إشكال في فيه، هل يمكن الحديث عن قانون إعداد التراب؟ إعداد التراب لا تحكمه قواعد قانونية دقيقة ومركزة، وبالتالي من النادر إيجاد نصوص قانونية تتحدث عن إعداد التراب ، في فرنسا مثلا ظهر قانون توجيهي لإعداد التراب سنة 1995، وهو ليس بقانون وإنما شبيه له.
من حيث علاقته بالإجتهاد القضائي، بما أن التعمير قانون ، فهو قانون قضائي، ويسمح بإيجاد اجتهادات قضائية حوله. أما إعداد التراب يلاحظ غياب الإجتهاد القضائي، وذلك راجع إلى أن إعداد التراب اعتبره بعض الفقه أنه قانون مرن ودائم التطور، وبالتالي لا يمكن تصور منازعات قضائية في مادة إعداد التراب.
وماذا عن علاقة التراب بالمجال؟
في كثير من الأحيان يعتبر التراب مصطلح وظيفي
المجال مفهوم مجرد نظري ووظيفي يحتله عابرون، غير محدد وليست له حدود،
إن إعداد التراب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، عرف محطات تاريخية، وتقلبات حسب الزمكان، نتيجة لظروف معينة أدت إلى اختلالات مجالية بين المناطق، هذا ما دفع الدول إلى إعادة النظر في نهج سياسة للتحكم في التفاوتات المجالية، هنا ظهر إعداد التراب كممارسة ثم كمفهوم.
ومن هذا المنطلق، كان مفهوم إعداد التراب محل دراسة واهتمام من قبل مختلف المهتمين في شتى المجالات والعلوم التي تتقاطع مع إعداد التراب (الاقتصادية، السياسة، الإدارة، الاجتماع، الجغرافية...)، حيث قدمت بشأنه تعريفات متعددة ومختلفة باختلاف المنطلقات الفكرية والمعرفية لكل فقيه وباحث، متأثرة بتقلبات الزمكان. وبالتالي صعوبة تحديد مفهوم شامل ودقيق لإعداد التراب، هل يمكن القول أنه علم أم فن أم سياسة أم مجموعة من الإجراءات التقنية؟
1/ المصطفى معمر، أحمد أجعون،" إعداد التراب الوطني والتعمير"، الطبعة الأولى، 2009/2010، كلية الحقوق مكناس.
2/ / عبد الخالق علاوي،" سياسة إعداد التراب في المغرب، دراسة الإطار المؤسساتي والأدوات المنهجية"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق وجدة، السنة الجامعية 2005/2006.
3/ رشيد لبكر، "إعداد التراب الوطني ورهان التنمية الجهوية" ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق الدارالبيضاء، السنة الجامعية 2000/2001.
4/ بنمير المهدي،" الجماعات المحلية ومسألة التنمية المحلية" ، سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 1995.
5/ لمرابط بن اكليكم ، "سياسة إعداد التراب الوطني في موريتانيا : دراسة تقييمية "، المدرسة الوطنية للإدارة الرباط، نونبر 1995.
6/ الشريف الغيوبي، "الجهة في خدمة إعداد التراب الوطني"، م.م.إ.م.ت، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 52، 2006.
7/ المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني، الأمانة الدائمة،" واقع الحال، إعداد التراب الوطني 2004-2009" ، الدورة الثانية، دجنبر 2009.
8/عبد الكبير يحيا ، تقسيم التراب و السياسة الجهوية بالمغرب : نحو اعتماد جهوية سياسية ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 84 الطبعة الأولى 2010
/9Michel Casteigts, « L’aménagement de l’ espace »,L.G.D.J,Juin 1999.
/10Jacques de Lanversin, « La Région et l’ aménagement du territoire », 3eme edit, Librairies Techniques, 1979.
/11Yves Madiot, « L’aménagement du territoire », 1er Edit, Masson, Janvier 1993.
12/ M.G.DESSUS ,les origines de l’aménagement de territoire , in , économie rurale n° 16 , 1953
بقلم الاستاذ/ على محول
مقدمــــة:إن إعداد التراب ليس مسألة حديثة، وإنما تعود جذوره إلى المجتمعات القديمة، حيث ظهر في البداية كممارسة إنسانية من قبل الجماعة التي تعيش داخل مجال ترابي معين، وذلك من خلال تهيئته وإعداده بشكل آلي دون تدخل الدولة أو السلطة، ثم ظهر بعد ذلك كمفهوم في فرنسا مع Claudius Petit.
إعداد التراب مفهوم مركب يتكون من كلمتين إعداد والتراب، فالتراب هو مكون من مكونات الدولة، والدولة حينما تكون بصدد إعداد التراب، فهي في الحقيقة تقوم بتنظيم نفسها وتنظيم المجتمع. ويقابله في اللغة الفرنسية مصطلح Aménagement de Territoire الذي يتكون من كلمة مفتاح و هي "إعداد" / Aménagement ، وإن كان بعض الباحثين يستعملون تارة " إعداد" و تارة أخرى "التهيئة"، وكان الإجماع قد وقع لدى الباحثين باللغة الفرنسية أو الإنجليزية على مصطلح Aménagement الذي يتضمن فكرة تدبير الثروات الوطنية كما هو الحال بالنسبة للمصطلح الأصلي الذي اشتق منه aMénager" والذي يعني استعمال باقتصاد أو حسن الاستعمال لشيء معين. وفي معناه الاصطلاحي يفيد مجموع الإجراءات والتدابير المتخذة من أجل إعداد توقعي لمجال ترابي محدد بهدف الوصول إلى تنمية شمولية ومتوازنة يراد بها الحد من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف أجراء هذا المجال" .
إن إعداد التراب يفيد البحث داخل إطار جغرافي محدد، على أفضل الوسائل لتوزيع الطاقات البشرية حسب الثروات الطبيعية والأنشطة الاقتصادية، وإذا كان ظهوره يعود إلى الثورة الصناعية في أوربا فإن إدماج المجال الجغرافي في التحليل لم يشرع العمل فيه إلا انطلاقا من القرن الماضي، كما أن إعداد التراب كسياسة لتنظيم هذا الفضاء لم ترى النور إلى بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان له في البداية مفهوم تعميري يهدف إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب العالمية الثانية من مدن، مع محاولة عقلنة أشغال واستغلال المجال ( مناطق السكن، مناطق الإنتاج...) ،وفي مرحلة موالية كان يهم تنمية مختلف جهات التراب الوطني وإقامة التوازن وتصحيح الاختلالات بين المناطق، والهدف من كل هذا هو إعطاء الإنسان المكانة الأولى وتلبية حاجياته وتحسين عيشه بفعل الاستغلال العقلاني للتراب والثروات الوطنية.
ومن الناحية العلمية شهد القرن الماضي تطورا ملموسا في الدراسات التي تعنى بهذا المجال ، كما تم خلاله إقرار العمل بتدريسه في المعاهد المتخصصة والجامعات كمادة علمية. وذلك لأهميتها وتأثيرها على حياة الإنسان وتنظيم عيشه فوق المجال الذي ينتمي إليه.
فإعداد التراب بسبب ما يطرحه من الإشكاليات في كل الدراسات التي تعنى ببحث علاقة الإنسان بمحيطه، ستكثر المقاربات عند تعريفه كلا حسب مشربها العلمي و ميدان اهتمامها، بل وحتى حسب تموضعها في الزمكان، ذلك أن إعداد التراب ما فتئ تعريفه يتقلب حسب الظرف الزمكاني الذي يعايشه. إن الهدف من إعداد التراب هو إقامة توازن بين مختلف مناطق البلاد، لأن إعداد التراب يهم مسألة في غاية الأهمية هي التراب، ويهم أيضا الماضي والحاضر والمستقبل.
لقد تعددت التعريفات التي قدمها كل من العلوم المهتمة والفقه لإعداد التراب، فهل نجحا في وضع مفهوم دقيق له وإزالة الغموض واللبس عنه وتمييزه عن المفاهيم المشابهة ( كالتعمير والجهوية..).وماهي الدوافع التي كانت وراء ظهور إعداد التراب؟
وسوف نقوم بمعالجة هذا الموضوع وفق التقسيم المنهجي التالي:
المبحث الأول: تأصيل مفهوم إعداد التراب
المطلب الأول: إرهاصات ظهور إعداد التراب .
المطلب الثاني: الظهور الفعلي لإعداد التراب كمفهوم.
المبحث الثاني: تحديد مفهوم إعداد التراب
المطلب الأول: التعريف الفقهي لإعداد التراب.
المطلب الثاني: تحديد عناصر مفهوم إعداد التراب.
1/ تأصيل إعداد التراب
عند الحديث عن التأصيل، فإننا نبحث عن الأصول والجذور، وهذا ما سنستشفه من خلال دراسة ما سبق إعداد التراب إلى حين ظهوره كمفهوم، فإعداد التراب ظهر في البداية كممارسة (المطلب الأول) ، قبل أن يظهر كمفهوم (المطلب الثاني).
1-1 إرهاصات ظهور إعداد التراب
إعداد التراب ليس وليد اليوم، وإنما هو نتاج لتطور الحضارات القديمة، التي طبقته بشكل واعي أو غير واعي. فإبان الثورة الصناعية التي شهدتها أوربا في القرن 18، كان هناك نوع من اللامبالاة لإعداد التراب من قبل الدول، فظهرت نتيجة لهذه الطفرة الصناعية، تزايد حدة الهجرة القروية، مما أنتج لنا تفاوتات واختلالات مجالية خطيرة، خلقت لنا أحياء فقيرة وأخرى غنية تتمركز في مركز البلاد، حيث سادت فكرة أساسية ألا وهي إعطاء الفرد الحرية في اختيار المكان الذي يريد الاستقرار فيه، وذلك لاستغلال الموارد المتوفرة أحسن استغلال، فاختيار مكان الاستقرار أمر يعود للفرد نفسه و ليس لحكومة البلد.
ولقد كانت للإبداعات الفكرية دور مهم في تسليط الضوء على هذه الظاهرة والتحسيس بخطورتها، ومن أمثلة على ذلك: البؤساء لفكتور هيجو، الذي وصف وانتقد الظلم الاجتماعي في فرنسا بين سقوط نابليون في 1815 و الثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب في 1832، إبداعات شارلي شابلن، ومدن مفترسة لإميل فير هايرن...إلى غيرها.
وعرف القرن 19 إنعكاساته الاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية نتيجة لسيادة الليبرالية، حيث كان العمال متضررين، فظهرت نتيجة لذلك الاشتراكية مع كارل ماركس نبهت للأخطار التي يمكن أن تنتج عن مثل هذه الأوضاع.
وفي القرن 20 أخذت هذه التفاوتات بعدا دوليا، بحيث وجدت دول تعيش رفاها، في حين أن هناك دول تعيش ظروف عيش صعبة، ما نتج عنه بروز دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة ، وهذا ما أدى إلى تدويل مسألة إعداد التراب، فأصبحت هناك رغبة وتفكير جدي للقضاء على التفاوتات المجالية، سواء داخل الدولة نفسها أو بين الدول في المجتمع الدولي، ودائما كانت هذه الاختلالات المجالية تؤدي إلى الهجرة من القرى إلى الحواضر والمراكز ذات الإشعاع الصناعي والاقتصادي. ولقد شهدت الحرب الكونية الثانية هجرة دولية، حيث نتج عنها العديد من المشاكل، كظهور أحياء هامشية تتجمع فيها الطبقة الفقيرة، فعلى المستوى الخارجي، نتج عن الهجرة مشاكل كالتمييز العنصري وصعوبة الاندماج، وعلى المستوى الداخلي برزت مساعدات تتمثل في التضامن بين الجهات الغنية والفقيرة. وهذا ما دفع الدول إلى إعادة النظر في سياساتها المتبعة لمحاربة هذه المشاكل عن طريق سياسة إعداد التراب أو تهيئة التراب . لأن الإنسان يشكل الهاجس المشترك بين السياسات التي استهدفت إعداد التراب في شتى الدول، بغية تحقيق أشمل لسعادته وتوفيره بكل سبل الراحة والاكتفاء في الوسط الذي يحتضنه. ولقد انصب اهتمام الدول آنذاك نحو الحروب والتسابق في المجال الصناعي، ولم تكن هناك بوادر للاهتمام بالتراب، لكن الوضع بدأ يتغير مع وعي العديد من الدول على ضرورة الاهتمام الترابي لإقليمها.
وجاء هذا الوعي بعدما تبين للدول الخطر الذي تعيشه شعوبها، نظرا لعدم الاستقرار وازدياد الهجرة إلى الحواضر، ما نتج عنه تفاوت مجالي بين مناطق البلاد، ومن بين الأسباب التي كانت وراء الاهتمام بإعداد التراب نذكر الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929، والتي أدت تداعياتها لإتخاذ مجموعة من التدابير سياسية جديدة جاء به الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت سنة 1933 وكان من بينها برنامج نهر Tennessee ،الذي يشكل أولى عمليات إعداد التراب طبق في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو عبارة عن تنظيم فدرالي لتحسين حوض نهر تينيسي تحت إدارة لجنة مكونة من ثلاثة أشخاص معينين من طرف الرئيس، عهد إليها بالإشراف على بناء سدود لمقاومة مياه النهر وروافده، وتطوير الأراضي في وادي تينيسي والحد من الفيضانات وزيادة إنتاج الطاقة الكهرومائية وتوفير فرص للعاطلين عن العمل.
سادت في هذه الفترة الليبرالية المتوحشة، حيث كان تدخل الدولة في المجال الاقتصادي محظورا. وقد تأثرت بهذه السياسة بريطانيا نظرا للعلاقة الإستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة الامريكية، التي كان بها كذلك فكر اقتصادي متوحش، كما هو الحال في تلك الفترة في الولايات المتحدة الامريكية. وكان للازمة الاقتصادية لسنة 1929 كذلك الدور الرئيسي في إعادة النظر في الاختلالات المجالية والصناعية بين مناطق البلاد، ولمعالجة هذه الاختلالات وإعادة إحياء المناطق المتضررة من جراء الأزمة الاقتصادية، قام رجال التخطيط بالتمييز بين 4 جهات في التراب البريطاني:
جهات من أجل التنمية: تضم المناطق ذات الموارد الطبيعية أو الزراعية غير المستغلة بعد.
جهات من أجل الإنعاش : تحظى به المناطق الوسطية أي الواقعة بين المدن الجهوية الصناعية والمناطق التي تعرف توسعا عشوائيا.
جهات من أجل التصحيح: تضم المدن التي احتضنت التصنيع لمدة طويلة، فصارت الضرورة ملحة لإعادة تجديدها والعمل على إرجاعها إلى وضع أكثر لياقة.
جهات من أجل التخفيف: وهي تلك التي يجب... عليها عن طريق التقليص مما تعانيه من كثافة القطاعات الثالثية ( خدمات، تجارة، تأمينات..) وكذا مراقبة وثيرتها المفرطة في النمو الديموغرافي، إضافة إلى ضبط تضخمها العمراني، هذه التقسيمات هي التي شكلت محور التقرير المعروف بتقرير بارلو barlaw سنة 1939، والذي شكل الإطار المؤسس لإعداد التراب ببريطانيا .
1-2 الظهور الفعلي لإعداد التراب كمفهوم.
قبل سنة 1945، كان هناك غياب اهتمام بإعداد التراب، وحسب Jean-François-Gravier فإن تعبير إعداد التراب ظهر سنة 1944، حيث ظهرت مصلحة إعداد التراب” “Service d’ Aménagement du Territoire في إطار مندوبية التجهيز الوطني في حكومة "فيشي"، وأنتجت هذه المصلحة العديد من التقارير حول تخفيف الازدحام décongestion بالمراكز الصناعية. وبالتالي فهو ظهر هناك كمؤسسة أي كبنية إدارية، حيث أن فرنسا كغيرها من الدول عرفت في هذه الفترة اختلالات وتفاوتات مجالية، وفي سنة 1947 أقدم Jean-François-Gravier على تأليف كتاب " باريس والصحراء الفرنسية" Paris et le desert français "، هذا الكتاب أورد فيه خطورة الوضع القائم في فرنسا، ويقصد هنا بالصحراء الفرنسية انعدام بدون شك الإنسان ومختلف النشاطات. وقد بين Jean-François-Gravier أن 18% من السكان الفرنسيين يقطنون في منطقة باريس والتي تحتكر وحدها ثلث الصناعة التحويلية وأكثر من نصف القطاعات ذات الانتشار الواسع كالصناعة الإلكترونية وصناعة السيارات وكذلك أكثر من 4/3 من الحاملين للدبلومات العليا.
لكن الأمر يختلف مع Claudius Petit ، حيث اعتبر أن إعداد التراب ظهر كمضمون وليس كبنية إدارية، ويعتبر C.Petit أول من استعمل كلمة "إعداد التراب" ، وكان له دور بارز في جعل إعداد التراب من بين الأهداف الحكومية ، وكان ذلك بمداخلة في مجلس الوزراء حدد من خلالها هوية إعداد التراب واقترح تعريفا له. وفي عام 1949 أخدت مديرية التعمير بوزارة البناء والتعمير، اسم "مديرية إعداد التراب"، وأصبحت سنة 1963 la Direction de l’Aménagement Foncier et de l’Urbanisme مديرية إعداد التراب والعقار والتعمير. وسنة 1950 تم الإعلان عن إنشاء مديرية وزارية لإعداد التراب، تم في عام 1954 تم الإعلان عن سياسة إعداد التراب، وقام الوزير الأول Michel Debré سنة 1959 باجتماع مع الوزاء المعنيين بإعداد التراب وانتهى بإحداثComité Interministériel d'Aménagement du (CIAT) Territoire سنة 1960 اللجنة بين وزارية لحل المشاكل المجالية لإعداد التراب ، وهو أول وزير طرح مسألة نقاش إعداد التراب أمام البرلمان سنة 1963، واتبعت بإحداث مفوضية إعداد التراب والعمل الجهوي Délégation à l'Aménagement du Territoire et à l'Action Régionale (DATAR)، بهذا الإحداث عرفت سياسة إعداد التراب طفرة سريعة .
وهكذا تعتبر فرنسا مهد ظهور مفهوم إعداد التراب، فيما ظهرت سياسة وإجراءات إعداد التراب في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
المبحث الثاني: تحديد مفهوم إعداد التراب
رغم قلة الدراسات الأكاديمية في موضوع إعداد التراب، فقد أضحى هذا الأخير يشكل اليوم موضوعا مركزيا ويحظى باهتمام خاص من قبل الدول سواء المتقدمة أو النامية منها. لهذا كان لابد من البحث في محاولة تشخيص في مفهوم إعداد التراب (المطلب الأول)، ثم نقوم باستخراج العناصر المكونة له ( المطلب الثاني).
المطلب الأول: التعريف الفقهي لمفهوم إعداد التراب.
يلاحظ قلة الكتابات الفقهية المتعلقة بتحديد مفهوم إعداد التراب، بل وحتى الموجودة منها فهي لا تقدم تعريفا شامل لهذا المفهوم. فكل فقيه يعرف إعداد التراب حسب الزاوية التي ينظر منها إليه، وهي غالبا ما تشمل جزء فقط من إعداد التراب، ومن بين هذه التعاريف نذكر:
تعريف الفقيه أندري ديلوبادير الذي جاء فيه: " من السهل تكوين فكرة عما تعنيه عبارة إعداد التراب الوطني، ومن الصعب في نفس الآن إن لم نقل من المستحيل إعطاؤها تعريفا أكيدا ومتكاملا". هذا التعريف ومن خلال التمعن فيه نجده لا يعطي معنى واضح المعالم ليشمل كافة الميكانيزمات ومبادئ مفهوم إعداد التراب.
هناك الاتجاه الغالب في تعريف إعداد التراب يرى بأنه: " تلك السياسة الاقتصادية والاجتماعية المعقلنة، التي يتبعها الانسان لاستغلال الموارد الطبيعية ولتحسين جودة المجال أو الوسط الترابي الذي يمارس فيه مختلف أنشطته ". وهناك أيضا إجماع على أن إعداد الترب ليست تقنية أو وسيلة فحسب، وإنما إعداد التراب هو سياسة الهدف منها الوصول إلى توزيع متوازن للنشاطات الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل وتحسين التجهيزات والوسائل الضرورية تبعا للتوجهات العامة للبلاد وحسب معطيات كل جهة .
في حين يعطي بعض الفقه مفهوما واسعا لإعداد التراب، إذ يعتبر François Lefebvre أن كل عمل يقوم به شخص يؤدي إلى امتلاك أو حيازة أو نقل أو التخلي عن المجال هو بطبيعته عمل لإعداد التراب، ويترتب عن ذلك أن مفهوم إعداد التراب يحيل إلى العمل الذي بواسطته يحل ممثلو الدولة محل الأشخاص المنفردون وما يمكن أن يتم بينهم من اتفاقات، باستعمال إن اقتضى الحال الاحتكار القانوني للقوة وذلك من أجل تحديد مكان وهدف وكيفيات احتلال واستعمال هذا الجزء أو ذلك من التراب.
يعرف الفقيه رولان إعداد التراب : " علم وفن... يهدف إلى تنظيم وتوزيع المجال الجهوي والوطني لمختلف الأنشطة البشرية حسب حاجيات الفرد والجماعة" .
ويرى دانييل كيشار: أن الطموح لإعداد التراب الوطني يقتضي العمل على أن توزع الثورة الوطنية توزيعا عادلا وأن يستفيد من الازدهار سكان المدن والأرياف والبوادي على حد سواء.
يقول lamour philippe أن إعداد التراب في السابق شكل المشكل الأساسي في فرنسا، ويقدم تعريفا له بكونه توجيه عقلاني تلعب فيه محددات طبيعية وإرادات فردية غير منسقة.
بينما الدكتور بنمير المهدي يعرف إعداد التراب بأنه العملية التقنية والفنية والإدارية، التي تسعى إلى تحقيق تنمية متناسقة ومتوازنة بين جميع الجهات والمناطق عن طريق توزيع عادل للثروات والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين العديد من التعريفات المقدمة حول مفهوم إعداد التراب تلك المقترحة سنة 1950 من قبل Claudius Petit الذي يرى أن أهمية إعداد التراب هي " البحث في الإطار الجغرافي لفرنسا عن أحسن تقسيم للسكان حسب وظيفة الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية، وهذا التعريف يتأسس على الهدف من إعداد التراب، وهو كافي ليشمل كل التطورات التي عرفها إعداد التراب.وفي الحقيقة جل هذه التعريفات والاقتراحات التي ساهم بها هؤلاء الفقهاء تبقى عامة وفضفاضة،و غائية اي انها تحدد اهداف اعداد التراب ولا تحدد وسائله و مضمونه و انضمته لكن أغلبها يلتقي في كون إعداد التراب يهم مسألة توطين الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية على التراب، وذلك بمراعاة نوع من التوازن في التوزيع الترابي لهذه الأنشطة.
المطلب الثاني: عناصر مفهوم إعداد التراب
اختلفت هي العناصر التي يؤدي استجماعها إلى بلورة مفهوم إعداد التراب، وذلك باختلاف التعريفات التي تناولت هذا المفهوم، حيث يلاحظ التركيز في كل تعريف على عنصر واحد دون باقي العناصر.
فبالرجوع إلى تعريف الفقيه ديلوبادير الذي اعتبر فيه، أنه من السهل تكوين فكرة عما تعنيه عبارة إعداد التراب، ومن الصعب إعطاؤه تعريفا متكاملا ، وبالتالي رفض إعطاء تعريفا يرتكز على عناصر محددة وذلك لصعوبة الأمر، ليعرفه فيما بعد بأن الأمر يتعلق بسياسة أي عمل للدولة، لا يمكن للخواص إنجازه، إذن ديلوبادير ركز على عنصر التبعية للدولة.
في حين اعتمد كل من رولان و كلوديوس و دانييل من خلال تعريفاتهم لمفهوم إعداد التراب، على عنصر الهدف أو الغاية من إعداد التراب حتى يمكن اعتباره كذلك، إلا أنهم اختلفوا في طبيعة هذا الهدف.
بينما اعتبر رولان أن الهدف من إعداد التراب يجب أن يكون هو توزيع الفضاء الجهوي والوطني حسب حاجيات الأفراد. واعتبره كلوديوس أنه البحث في الإطار الجغرافي عن أحسن تقسيم للسكان حسب الأنشطة الاقتصادية. و دانييل اعتبر إعداد التراب توزيع للثروة الوطنية توزيعا عادلا على المدن والأرياف.
أما فرانسوا اعتمد في تعريفه على عنصر طبيعة العمل المنجز، أي كل ما يقوم به شخص من عمل إلى امتلاك أو حيازة أو نقل أو التخلي عن المجال هو بطبيعته عمل لإعداد التراب.
بهذا تكون العناصر التي اعتمد عليها الفقهاء في تعريفاتهم، تميزت بالاختلاف وعدم الانسجام، إذ لم يتفقوا على عناصر محددة من شأنها أن تقدم لنا مفهوم إعداد التراب كلما اجتمعت جميعها . هي تعريفات غائية، أي تحدد الغاية من إعداد التراب ،وهذا ما يطرح إشكالا وغموضا في تعريفه، ويدفعنا إلى تحديد الفرق بين إعداد التراب وبين بعض المفاهيم المشابهة، طالما ليس هناك إجماع على العناصر المكونة له ، ومن هذه المفاهيم المشابهة نذكر مثلا: التعمير والمجال.
فما هو الفرق بين مفهوم إعداد التراب ومفهوم التعمير؟
يمكن تعريف إعداد التراب بأنه مجموع الإجراءات والتدابير المتخذة من أجل إعداد توقعي لمجال ترابي محدد بهدف الوصول إلى تنمية شمولية ومتوازنة يراد بها الحد من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف أجزاء هذا المجال . بينما التعمير يعرفه الفقيه أوبي (J.M Auby) "بأنه مجموعة من الإجراءات التقنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على تطوير المجتمعات بشكل منسجم وعقلاني" .
يتضح من خلال التعريفين السابقين أن كلاهما ( التعمير وإعداد التراب) يهتم بتنظيم وتدبير المجال والنهوض بتنميته ويشتغلان بأدوات مشتركة. بل أكثر من ذلك تعتبر أدوات قانون التعمير وقواعده ، أداة رئيسية لتحقيق غايات إعداد التراب. ومع ذلك فإن هناك اختلاف جوهري بينهما، يتجلى في النقط التالية:
من حيث تاريخ الظهور، ظهر قانون التعمير في القرن 19 م، أي قبل ظهور إعداد التراب.
اختلاف جغرافي، حيث يسعى إعداد التراب إلى التصدي لمشاكل التهيئة والتنمية على مستوى أوسع، على الأقل الجهوي أو التراب الوطني ولا يكتفي بمدينة واحدة ، وهو ما يسمى Macro- Aménagement التهيئة الشمولية. في حين يسعى قانون التعمير إلى الاهتمام بقضايا تهيئة جزئية Micro- Aménagement .
من حيث التقنين، قانون التعمير هو قانون مقنن، تحكمه قواعد دقيقة، أما إعداد التراب فهناك إشكال في فيه، هل يمكن الحديث عن قانون إعداد التراب؟ إعداد التراب لا تحكمه قواعد قانونية دقيقة ومركزة، وبالتالي من النادر إيجاد نصوص قانونية تتحدث عن إعداد التراب ، في فرنسا مثلا ظهر قانون توجيهي لإعداد التراب سنة 1995، وهو ليس بقانون وإنما شبيه له.
من حيث علاقته بالإجتهاد القضائي، بما أن التعمير قانون ، فهو قانون قضائي، ويسمح بإيجاد اجتهادات قضائية حوله. أما إعداد التراب يلاحظ غياب الإجتهاد القضائي، وذلك راجع إلى أن إعداد التراب اعتبره بعض الفقه أنه قانون مرن ودائم التطور، وبالتالي لا يمكن تصور منازعات قضائية في مادة إعداد التراب.
وماذا عن علاقة التراب بالمجال؟
في كثير من الأحيان يعتبر التراب مصطلح وظيفي
المجال مفهوم مجرد نظري ووظيفي يحتله عابرون، غير محدد وليست له حدود،
إن إعداد التراب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، عرف محطات تاريخية، وتقلبات حسب الزمكان، نتيجة لظروف معينة أدت إلى اختلالات مجالية بين المناطق، هذا ما دفع الدول إلى إعادة النظر في نهج سياسة للتحكم في التفاوتات المجالية، هنا ظهر إعداد التراب كممارسة ثم كمفهوم.
ومن هذا المنطلق، كان مفهوم إعداد التراب محل دراسة واهتمام من قبل مختلف المهتمين في شتى المجالات والعلوم التي تتقاطع مع إعداد التراب (الاقتصادية، السياسة، الإدارة، الاجتماع، الجغرافية...)، حيث قدمت بشأنه تعريفات متعددة ومختلفة باختلاف المنطلقات الفكرية والمعرفية لكل فقيه وباحث، متأثرة بتقلبات الزمكان. وبالتالي صعوبة تحديد مفهوم شامل ودقيق لإعداد التراب، هل يمكن القول أنه علم أم فن أم سياسة أم مجموعة من الإجراءات التقنية؟
1/ المصطفى معمر، أحمد أجعون،" إعداد التراب الوطني والتعمير"، الطبعة الأولى، 2009/2010، كلية الحقوق مكناس.
2/ / عبد الخالق علاوي،" سياسة إعداد التراب في المغرب، دراسة الإطار المؤسساتي والأدوات المنهجية"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق وجدة، السنة الجامعية 2005/2006.
3/ رشيد لبكر، "إعداد التراب الوطني ورهان التنمية الجهوية" ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق الدارالبيضاء، السنة الجامعية 2000/2001.
4/ بنمير المهدي،" الجماعات المحلية ومسألة التنمية المحلية" ، سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 1995.
5/ لمرابط بن اكليكم ، "سياسة إعداد التراب الوطني في موريتانيا : دراسة تقييمية "، المدرسة الوطنية للإدارة الرباط، نونبر 1995.
6/ الشريف الغيوبي، "الجهة في خدمة إعداد التراب الوطني"، م.م.إ.م.ت، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 52، 2006.
7/ المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني، الأمانة الدائمة،" واقع الحال، إعداد التراب الوطني 2004-2009" ، الدورة الثانية، دجنبر 2009.
8/عبد الكبير يحيا ، تقسيم التراب و السياسة الجهوية بالمغرب : نحو اعتماد جهوية سياسية ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 84 الطبعة الأولى 2010
/9Michel Casteigts, « L’aménagement de l’ espace »,L.G.D.J,Juin 1999.
/10Jacques de Lanversin, « La Région et l’ aménagement du territoire », 3eme edit, Librairies Techniques, 1979.
/11Yves Madiot, « L’aménagement du territoire », 1er Edit, Masson, Janvier 1993.
12/ M.G.DESSUS ,les origines de l’aménagement de territoire , in , économie rurale n° 16 , 1953


0 التعليقات