الاثنين، 31 مارس 2014

الحكامة في التعمير أو إشكالية السهل الممتنع... !!



الحكامة في التعمير أو إشكالية السهل الممتنع... أمل مسعود ـ جيل بريس
التشخيص الموضوعي لإشكالية التعمير بالمغرب و نبذ سياسة الهروب و التهرب من المشكل و تبني سياسة جريئة لإيجاد حلول جذرية و عميقة هي الخطوات العملية الأولى للانتقال من تعمير عشوائي، دمر مدننا بالكامل و نال من سمعة و مصداقية المهندس المعماري و خلق جوا من انعدام الثقة بين المواطن و المؤسسات الساهرة على قطاع التعمير ، إلى تعمير استراتيجي مسؤول ينمو و يتبلور في إطار مؤسساتي.

التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات يمكن اعتباره تقريرا مفصلا حول إشكالية التعمير بالمغرب حيث قام بفحص مختلف الجوانب المتعلقة بالتعمير من تخطيط حضري و تدبير حضري و مراقبة البناء و المخالفات في ميدان التعمير و تتبع و إنجاز أشغال مشاريع التهيئة الحضرية.

التقرير اتسم بالجدية و الجرأة و الصراحة و الشفافية. و أن يصدر تقرير جريء ومفصل حول "خروقات" و إشكاليات التعمير من مؤسسة دستورية يحمل إشارات قوية. فالتعمير بالمغرب ظل منذ أزيد من عشرين عاما من الطابوهات التي يتفادى الجميع الحديث عنه . ربما لأن مدننا نمت و ترعرعت خارج القانون. و ربما لأن ظاهرة البناء العشوائي بمدننا من القوة و الحدة بما كان حيث استطاعت أن تشكل قوة ضاغطة ففرضت شروطها و قواعدها الغير قانونية على المؤسسات و السلطات العمومية التي وجدت نفسها ليس فقط أمام تعمير خارج القانون و لا يحترم النصوص التنظيمية و لكن أمام تعمير خارج المؤسسات أيضا. و هكذا و لتضمن المؤسسات وجودها خضعت للواقع و بدل أن تسهر على احترام قوانين التعمير و إعداد تصور مستقبلي لمدننا أصبح همها الرئيسي هو التدبير الأمثل للعشوائية و إصلاح ما أفسده الجهل و الطمع.

التقرير الأخير قيم أداء الوكالة الحضرية للدار البيضاء و الوكالة الحضرية لأكادير، كما أن تقرير السنة الفارطة لسنة 2009 تناول أداء الوكالتين الحضريتين لوجدة و مراكش. المتتبع سيلاحظ أن نفس الإشكاليات تتكرر من غياب وثائق تعمير مصادق عليها و اعتماد تصاميم إعادة الهيكلة لتسوية وضعية التقسيمات الغير القانونية التي كان ينبغي التصدي لها و أخيرا الاستخدام المفرط للاستثناءات مع غياب معايير واضحة و موحدة لدراسة طلبات الاستثناء.

المجلس الآعلى للحسابات و للتصدي لهذه الإشكاليات يوصي بالإسراع لإنجاز و تتبع تصاميم التهيئة. و هنا بيت القصيد لأن الوصفة السحرية التي ما فتأ المجلس الأعلى للحسابات يوصي بها تبدو سهلة و لكن في حقيقة الآمر تنفيذها ممتنع.

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن المغرب في العشر السنوات الأخيرة قطع أشواطا هامة و أحرز نقاطا عدة و نال احترام و إعجاب الدول المتقدمة و لكن و بالمقابل لا أحد يستطيع أن ينكر بأن مدننا تعاني من الفقر و الهشاشة و العشوائية.

فكأننا أمام مغربين. المغرب العظيم الذي أثار إعجاب الغرب ولفت انتباههم أي مغرب ميناء طنجة و مغرب الطرق السيارة و مغرب المشاريع الضخمة و مغرب الانفتاح على الثقافات و مغرب الانتقال الديمقراطي و مغرب الدستور الجديد . و مغرب آخر مغرب الفقر و العشوائية.

الفرق الشاسع بين "المغربين" راجع بالأساس إلى اختلاف المستويات في تدبير الشأن العام و المحلي. فعلى مستوى الحكومة أو على مستوى السياسات الكبرى للبلاد يمكن القول بأن المغرب نهج استراتيجية واضحة و اعتمد على رؤية مستقبلية طموحة و عمل على تنفيذها و تتبعها، و من أجل ذلك اعتمد في العشر السنوات الآخيرة على الكفاءات العالية .

أما على مستوى التدبير المحلي و هذه هي المعضلة فلا توجد استراتيجية واضحة و لا برنامج عمل مفصل و لا تنسيق مع مختلف المصالح كما أن معظم رؤساء الجماعات لهم تكوين بسيط لن يؤهلهم ليستوعبوا القيمة الحقيقية لتصاميم التهيئة كورقة طريق و كبرنامج عمل للنهوض العملي بالمنطقة و خاصة أن رئيس الجماعة هو المسؤول الأول للسهر على بلورة هذه الوثيقة على أرض الواقع .

فتصميم التهيئة لن يكون له معنى إلا إذا تم التعامل معه كوثيقة إستراتيجية و شمولية و تعاقدية تسهر كل مصلحة على تنفيذ مقتضياته و الالتزام به. بيد أنه في غالب الآحيان، تصميم التهيئة يولد ميتا و غالبا ما يكون ذلك راجع لاعتبارات و حسابات سياسوية محضة و أيضا لافتقاره لأفكار واقعية وخلاقة قابلة للتطبيق على أرض الواقع. 
فإشكالية التعمير بالمغرب إشكالية سياسية و إبداعية و ثقافية بالدرجة الآولى.

فالمدينة لتتطور فعلا و تحقق قفزات حقيقية تحتاج إلى وهج فكري و قادة سياسيون... فالفكر الجريئ الخلاق و المفاهيم الجديدة تحتاج إلى زعامات سياسية موهوبة لتقوده ، والسياسي يحتاج إلى فكر يؤمن به و يؤطر نضاله. فالسياسي الفارغ من القيم و من الأفكار و من الأحلام يصبح عبئا ثقيلا على الدولة و يكبل المدينة خسائر معنوية و مادية باهظة. و الطاقات الفكرية المهمشة و الغير المدعومة تنتج نخبة مثقفة كئيبة و محبطة و سلبية تميل إلى البؤس و التطرف و النقد من أجل النقد... و بين نخبة فكرية شبه غائبة و مغيبة و سياسيون فارغون يسوقون للخواء و اللامبالاة و العدمية سينشط الفساد و التطرف و الجهل و ستنعدم الثقة.

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More