‏إظهار الرسائل ذات التسميات باقة من بحوث ورسائل قانونية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات باقة من بحوث ورسائل قانونية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 مارس 2014

إشكاليات توثيق التصرفـات العقارية ومتطلبات التنمية : قـراءة في قانـون 44.00





إشكاليات توثيق التصرفـات العقارية ومتطلبات
 التنمية : قـراءة في قانـون 44.00
ذ.محمد الخضراوي
قاض بالمحكمة الإبتدائية بأبي الجعد
 
مقدمــة
منذ ليالي التاريخ الأولى، ارتبط الإنسان فردا وجماعة بالأرض وجودا وإعمارا، حياة وفناءا وبعثا، فسعى إليها حائزا أو مالكا أو غاصبا، مبتدعا في كل ذلك قواعد تنظم له استعمالها واستغلالها والتصرف فيها.
وبتطور الحياة وتضارب المصالح ازدادت أهمية العقار سواء كان أرضا عارية أو بناءا متكاملا أو في طور البناء، وأصبح إلى جانب العنصر البشري محور أي مشروع تنموي مما استلزم تدخل التشريعات بفلسفاتها المختلفة لتنظم مجال التعامل فيه حتى يحقق الأهداف المرسومة له.
والمغرب لم يشذ عن كل هذا حيث عرف حركية تشريعية سعت إلى بناء منظومة قانونية[1]ذات أبعاد وتجليات واسعة تشمل كافة القطاعات المؤثرة وكافة المتدخلين في مجال العقار والبناء قصد تحقيق هدفين أساسين :
 -تخليق مجال المعاملات العقارية وتطهيره .
-خلق ديناميكية اقتصادية تستند على خفض التكاليف والنفقات وإنعاش السوق العقارية.
فكان قانون 44.00 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز[2]إحدى هذه الآليات التي استند عليها المشرع لسد الفراغ القانوني الذي كان يعرفه واقع الممارسة المتميز بشيوع البيوعات على التصميم vente sur plan أو على الحالة المستقبلية لاستكمال البناء            en l’état future d’achèvement
وما نتج عنهما من مآسي اجتماعية ومشاكل اقتصادية ونزاعات قضائية يصعب تكييفها وإثباتها وتنفيذ أحكامها.
ولعل القراءة الأولية البسيطة للفصول الأولى من هذا القانون سيتجلى منها أن هاجس التطهير والإصلاح كان راسخا بذهن واضعيه إذ استهلت كلها بصيغة الأمر والوجوب وكأن المشرع يريد أن يعلن منذ البداية أنه لا مجال للتلاعب أو لاستغلال التفاوت الاقتصادي والاحترافي بين طرفي العقد أو سوء استغلال مبادئ قانونية راسخة كسلطان الإرادة وحرية التعاقد
لقد أعلن المشرع هذه المرة[3] بشكل واضح موقفه من خلال استناده على "الكتابة والتوثيق" كخيار استراتيجي قانوني ذا أبعاد ومضامين اقتصادية واجتماعية مهمة.
هذه الكتابة استدعتها ضرورة قيام العقد وانعقاده صحيحا منتجا لآثاره، يترتب عن إغفالها بالشكل والمضمون المحدد قانونا جزاء وحيد هو البطلان[4].
لقد حدد المشرع الجهات المخول لها تحرير هذا العقد واشترط أن تكون هذه الكتابة مضمنة في محرر رسمي أو عقد ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة يخول لها قانونها تحرير العقود وألزم الأطراف ومحرريه بتوقيع هذا العقد والتأشير على صفحاته والمصادقة على التوقيعات مع تضمين هذا العقد مجموعة إلزامية من البيانات وإرفاقه بمجموعة من الوثائق والتصاميم والشواهد التي تثبت جدية المشروع وشفافية التعاقد وتخول تحقيق التوازن بين طرفي المعاملة وإعطائها أبعادها الاقتصادية والاجتماعية المرجوة.
إذن يبدو أن المشرع راهن على مجموعة من المكنزمات المتمحورة أساسا على "الكتابة" قصد تحقيق الأمن والشفافية والفائدة الاقتصادية والاجتماعية.
لكن وبقراءة متأنية لهذا القانون من خلال فصوله في علاقتها ببعضها أو في علاقتها مع نصوص قانونية أخرى مؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في العملية التعاقدية المنصبة على عقار في طور الإنجاز، سيتضح أن هذه الأهداف ستصبح صعبة التحقيق وستخلق مشاكل جديدة قد تقوض بنيان وفلسفة هذا القانون من أساسه نظرا عدم وضوح بعض المقتضيات وغموضها وعدم انسجامها مع محيطها القانوني والاقتصادي والاجتماعي وهشاشة الضمانات التي تخولها لطرفي المعاملة وبناءا عليه سيكون تصميم هذه المداخلة على الشكل التالي:
المحور الأول : إشكاليات توثيق بيع العقار في طور الإنجاز بالنظر إلى محرريه
المحور الثاني : هشاشة الضمانات القانونية والمضامين الاقتصادية لعقد بيع عقار في    طور الإنجاز
 
المحــور الأول: إشكاليات توثيق بيع العقار في طور الإنجاز بالنظر إلى محرريه
المطلب الأول : الجهات المكلفة بتوثيق بيع عقار في طور الإنجاز
فقرة أولى : المحــررالرسمـي[5]
تنص الفقرة الأولى من الفصل 3-618 ق.ل.ع على أنه يجب أن يحرر عقد البيع الابتدائي لعقار في طور الإنجاز إما في محرر رسمي أو بموجب عقد ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي الى مهنة قانونية منظمة ويخول لها قانونها تحرير العقود وذلك ثحت طائلة البطلان…….
والمحرر الرسمي طبقا للفصل 418 ق.ل.ع هو الورقة التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد وذلك في الشكل الذي يحدده القانون.
وبعيدا عن جميع النقاشات الفقهية والقضائية المثارة حول عبارة الموظفون العموميون[6] وكذا حول البيانات والوقائع المشمولة بالصفة الرسمية[7],فإن المجمع عليه، أن الشخص المأذون له بكتابة المحرر الرسمي الدال انعقادا وإثباتا على عقد بيع العقار في طور الإنجاز هو الموثق "العصري" والعدلان، وهو ما ذهب إليه أيضا مرسوم 7/6/2004 في مادته الأولى وأكده  قبل كل هذا العمل القضائي[8].
لكن الإشكال الأول الذي يطرح نفسه هنا هو : هل الموثق "العصري" يجوز له تحرير العقود المنصبة على بيع عقار في طور الانجاز؟
هذا السؤال يجد مرجعيته في كون قانون 44.00يطبق على العقار غير المحفظ!!
إن القانون المنظم لمهنة التوثيق 24/5/1925 أو حتى مشروع القانون الجديد لا يسعفان للقول بذلك ويستثنيان تحرير العقود المتعلقة بالعقار غير المحفظ من اختصاص الموثق الذي لا ينطلق إلا بعد إيداع مطلب لتحفيظ العقار، بالمقابل نجد أن قانون 44.00 بصيغته العامة وكذا المرسوم التطبيقي المشار إليه، أعلاه أعطيا هذا الاختصاص للموثق .
فكيف يتأتى للموثق القيام بتحرير عقد ابتدائي أو نهائي لبيع عقار في طور الإنجاز وهو غير محفظ ويلف وضعيته المادية والقانونية غموض ولبس وانعدام ثبات, في الوقت الذي سيكون فيه هذا الموثق مسؤولا عن مضمون هذا العقد؟
  
ومن المشاكل التي نجمت أيضا عن انعدام انسجام قانون 44.00معنصوص قانونية أخرى، نجد ما أثارهمرسوم7/6/04 بتمييزه الجديد للمحررات بين عقد محرر ممن هو مؤهل لذلك بنص القانون وهم العدول والموثقون والمحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى وبين عقد يحرره من يدرج إسمه في لائحة المهن القانونية والمنظمة المقبولة لتحرير العقود التي سيتم حصرها بمقتضى قرار وزيري. في حين يميز قانون 44.00 بين محرر رسمي وآخر ثابت التاريخ.
وترتيبا على هذا الخلاف أصبح المحامي المقبول للترافع أمام المجلس الأعلى وفقا للمرسوم التطبيقي في مصاف محرري الوثيقة الرسمية، وهذا أمر خارج عن المألوف وعما سطره المشرع نفسه، فالمحامي مهما كانت كفاءته أو خبرته فإنه لن يحرر عقدا رسميا لأنها ليست مهنته الأساسية.
هذا التمييز بين محامي مقبول للترافع امام المجلس الاعلى وغيره من المحامين غير المقبولين يبقى غير قائم على أساس منطقي وهو تخصيص بدون وجود مخصص مادامت الوثيقة المحررة من كليهما تبقى وثيقة عرفية ويتم التصديق على توقيعاتها بكتابة الضبط, هذا فضلا عن أن الأقدمية لا تعني بالضرورة الكفاءة.
        فقرة ثانية : المحـرر الثابـت التاريـخ :
لقد أجازت مقتضيات قانون44.00وكذا باقي القوانين العقارية الجديدة 18.00/51.00 للمتعاقدين اللجوء إلى غير الموثق أو العدلين لكتابة دليلهما على البيع، لكن هذا الجواز مقيد بأمرين هما : أن يكون الكاتب مهنيا مأذون له، وأن يخضع المحرر للإجراءات التي ثتبت تاريخه .
1- الكاتب المهني المأذون له بصياغة المحرر ثابت التاريخ :
إذا كان المبدا السائد فيما يمكن تسميته بالمحرر العرفي، أنه يسمح لأي كان ولو تمثل في أحد المتعاقدين بكتابة المحرر بشرط توقيع هذا المحرر من قبل المتعاقدين[9] ،فإن قانون 44.00 اشترط في الكاتب أن يكون ممتهنا لمهنة قانونية وأن تكون هذه المهنة يسمح قانونها بكتابة المحررات التعاقدية.
وترتيبا عليه فأول من سيتم إقصاؤه هم شريحة الكتاب العموميون الذين مافتئت عدة أصوات تنادي بمنعهم من تحرير العقود بعلة أنهم أساس المشاكل والنزاعات.
وهذا التوجه وإن كان مبررا وله نصيبه من الصحة في أحد جوانبه لكنه ينطوي على كثير من التجني على هذه الفئة التي لا يمكن في جميع الأحوال تحميلها كامل المسؤولية ولا يمكن أيضا نفي إيجابياتها وارتباطها بالفئات البسيطةوالفقيرة[10] لذا اعتقد أن المشرع كان عليه أن يفتح نوافذه من أجل إعادة تأهيل هذه الفئة وتكوينها التكوين اللازم لتحرير مثل هذه العقود بدلا من حرمانها من موارد عيشها وعيش أسرتها.
كما أن تطبيق مقتضى (المنظمة بقانون يسمح بكتابة المحررات العقدية) المنصوص عليه في الفصل 3-618 ق.ل.ع سيخرج الكثيرين من جنة المقبولين لكتابة المحرر الثابت التاريخ لأن مهنهم وإن كانت منظمة قانونا، إلا أن قوانينها لا تصرح لهم بإمكانية تحرير هذه العقود[11] .
ومن الفئات التي تم إقصاؤها من عملية التحرير والتوثيق طبقا لهذا المقتضى نجد الأطر التابعين للأبناك خصوصا عندما تكون هذه الأخيرة طرفا في العقود الثلاثية الأطراف -والتي تعرف انتشارا واسعا على مستوى الممارسة- هذا ما دفع العديد من الفقه والممارسين إلى المناداة بضرورة إدماج هذه المؤسسات البنكية في لائحة المهنيين المقبولين لتحرير هذه العقود العقارية الجديدة لما في ذلك من خفض للتكلفة المالية للعقد[12].
أما أوضح القوانين التي تصرح بإمكانية التحرير نجد قانون 10/09/1993 كما غير وتمم القانون لمهنة المحاماة، إذ تنص المادة 30 منه على أنه يمكن للمحامي تحرير كل عقد عرفي كيف ما كان نوعه. ومصطلح محامي هنا جاء عاما ليشمل المتمرن والرسمي سواء كان مساعدا أو شريكا وسواء كان مقبولا أم لا للترافع أمام المجلس الاعلى.
لكن الفصل 3-618 كما أشرت سلفا لم يعتمد كل هؤلاء ككتاب مأذون لهم بصياغة المحرر الثابت التاريخ، إلا المقبولين منهم للترافع أمام المجلس الأعلى الأمر الذي أكده أيضا مرسوم 07/06/04 أما المحامون الآخرون وغيرهم من أصحاب المهن القانونية المنظمة بقانون يسمح بتحرير العقود مثل وكلاء الأعمالمثلا[13] فلا زالوا ينتظرون النص التنظيمي الخاص بلائحة مهنهم ويشروط قبولهموالأكيد من خلال قراءة للمعطيات الواقعية أن صدور هذا النص ما زال متعثرا بسبب التجاذبات والصراعات واللوبيات التي تتفاعل في هذا الإطار ذي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المهمة.
وموضوع تحرير المحامي المقبول للترافع أمام المجلس الأعلى لمثل هذه العقود وتصحيح إمضاءه بكتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي مهامه بدائرتها يثير عدة تساؤلات وإشكاليات وتناقضات وانتقادات:
Ãفأول تساؤل بسيط يتبادر إلى الذهن ويبدو الجواب عليه بديهيا في الوهلة الأولى هو: متى يكتسب المحامي هذه الصفة؟
لقد حددت المادة 34 من قانون المحاماة الأشخاص الذين يكتسبون هذه الصفة[14]لكن هل تضمين إسم المحامي المتوفر على الشروط باللائحة التي تعدها مجالس الهيئات في أكتوبر من كل سنة ورفعها إلى الرئيس الأول للمجلس الأعلى كاف للترافع أمام هذا المجلس وتحرير العقود بدءا من السنة الموالية لسنة الإعداد والتبليغ؟ أم يجب انتظار نشر اللائحة الكاملة المتعلقة بكل هيئة بالجريدة الرسمية؟ ثم من يطلب نشر هذه اللائحة ومن يتحمل مصاريفه أمام سكوت ظهير 93؟[15]
Ãومن التساؤلات التي يثيرها أيضا الفصل 3-618 نجد مسألة الاختصاص المكانيللمحامي. والمبدأ قانونا هو أن المحامي يقيد بجدول هيئة داخل دائرة استئنافية وليس ابتدائية كما جاء في الفصل المذكور أعلاه. فهل المشرع يحاول وضع قيد مكاني على المحامي عند أدائه لهذه المهمة ومن ثم لا يجوز له تجاوزه و إلاعرض نفسه للمساءلة؟ وهل- في حالة الجواب بالإيجاب- يتأثر العقد نفسه في حالة المخالفة لهذا المقتضى أم يبقى صحيحا منتجا لآثاره؟ أم أن الأمر كله مرتبط فقط"تصحيح الإمضاء" ليس إلا وأن اختصاص المحامي عام سواء بالنسبة لمكان تواجد العقار أو تواجد أطراف العقد؟
وهذا بدوره ستتناسل عنه عدة تساؤلات وفرضيات مما يدل على أن هذا المقتضى كان يجب صياغته بشكل سليم وواضح حتى يسهل تطبيقه ولايكون عرضه لتأويلات مختلفة قد يستغلها ذوي النيات السيئة.
ربما لو أن المشرع جعل"تصحيح الإمضاء" (على علاته) من اختصاص رئيس كتابة ضبط محكمة الاستئناف التي يمارس بدائرتها المحامي محرر العقد لكان أكثر انسجاما على الأقل مع قانون 1993
Ãمن المسائل التي تثير حساسية- وهي في نظري حساسية غير مبررة مبدئيا لمجموعة من الاعتبرات الفلسفية والقانونية والتاريخية- وانتقادات من طرف العديد من المحامين نجد مسألة رقابة القضاء على مهنة المحاماة، فقد ظهرت تجلياتها في النقد الذي وجه للفصل 03-618 بخصوص[16]تصحيح إمضاء المحامي بكتابة الضبط معتبرين أن عملية المصادقة يجب أن تكون شأنا داخليا من إختصاص النقابة على غرار تشريعات عربية مقارنة[17]
وقد ذهب البعض من الفقه[18] أكثر من هذا عندما اعتبر مسألة تصحيح الإمضاء لدى رئيس كتابة ضبط المحكمة الابتدائية مخالفة:
-من جهة أولى: للنصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة لمهام كتابة الضبط وتثير عدة إشكاليات وصعوبات، الكل في غنى عنها (محامون/أطراف/ كتابة الضبط)
-من جهة ثانية : لظهير 25/07/1915 ومقتضيات ظهير 12 غشت 1913.
ويتفرع عن هذا المقتضى إشكال آخر اعتبره البعض محتمل التحقق وهو في حالة رفض رئيس كتابة الضبط تصحيح الإمضاء لأي سبب من الأسباب فهل يعتبر هذا القرار إداريا يمكن الطعن فيه؟ وهل يحق له الاطلاع على مضمون هذه الوثيقة وتفحصها ومراقبتها؟ لقد نفى عنه القضاء الفرنسي هذه الإمكانية نظرا لتحمل المحامي مسؤوليته المهنية كمحرر للعقد[19]
Ãوهل يحق للمحامي الذي حرر العقد أن يترافع عن أحدهما ضد الآخر في حالة وقوع نزاع بينهما؟
لقد ذهب بعض الفقه[20] إلى عدم إجازة مثل هذا السلوك وحصر هذه الإمكانية في حالة وحيدة وهي نيابته عن المشتري ضد اتحاد الملاك المشتركين عند ممارسة هذا الأخير حق الأفضلية لكونه لم يكن طرفا في العقد الذي حرره المحامي.
2/  الإجراءات التي يثبت بها تاريخ المحرر المكتوب من قبل المهني المأذون له :
لم يأت قانون 44.00 بمقتضيات خاصة في هذا الباب حيث لا تختلف هذه الإجراءات بخصوص بيع عقار في طور الإنجاز عن غيره من العقود التي يؤطرها جميعا وبشكل مبدئي الفصل 425 ق.ا.ع الذي جعل على رأس هذه الإجراءات: تسجيل المحرر لدى مصلحة الضرائب المكلفة بالتسجيل والإشهاد على صحة الإمضاء أو بتصحيح التوقيعاتوالإمضاءات[21]
Ãالتسجيل بمكتب التسجيل: وهو إجراء إجباري يخضع له المحرر سواء كان رسميا أو عرفيا[22] ويتوقف عليه مخاطبة قاضي التوثيق عندما يقع البيع على عقار غير محفظ[23] وكذا تقييد العقد بالسجل العقاري، ويترتب عليه حسب المادة الأولى I من قانون واجبات التسجيل اكتساب الاتفاقيات العرفية تاريخا ثابتا عن طريق تسجيلها في سجل يدعى سجل الإيداع، كما يضمن حفظ المحررات.
Ãتصحيح الإمضاءات [24] أو الإشهاد على صحة الإمضاء[25]:
يعرف التوقيع (وهو غير الإمضاء) حسب د/الشيلح بأنه أثر يطبع به الشخص المتعاقد هويته في أسفل المحرر (المكتوب) بخط يده للدلالة على العلم بمضمونه وبالتالي لإمضائه (لإجازته) وهو بهذا المعنى هو الذي يكون موضوع الاشهاد بنسبته إلى صاحبه وليس الإمضاء[26].
والتوقيع يمكن أن يتم مرة واحدة في آخر المحرر العرفي، لكن عندما يكون هذا المحرر عبارة عن كتاب لضمه مجموعة من الصفحات المكتوبة كما هو الشأن بالنسبة لعقد بيع عقار في طور الإنجاز فإنه ولتفادي أي نزاع أو طعن يتم توقيع كافة الصفحـات وهو ما اصطلـح عليه المشـرع "التأشير"paraphé الذي يعرف عادة بكتابة الأحرف الأولى للإسم الشخصي والعائلي أو جزء من توقيع المعنيبالأمر[27]
والجديد في قانون 44.00 أن التوقيع والتأشير لم يعد مقصورا على طرفيه وإنما أيضا محرر العقد الذي أصبح ملزما بذلك طبقا للفصل 3-618.
طبيعة المحرر الثابت التاريخ في قانون 44.00؟
لقد أدت بعض المقتضيات الخاصة المنصوص عليها في قانون 44.00 و18.00 و51.00 المرتبطة بالمحرر الثابت التاريخ إلى انقسام آراء الفقه حول طبيعته القانونية خاصة ذلك المحرر من قبل محامي مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى كما سبق أن أوضحنا سابقا، فذهب البعض إلى القول بأنه محرر عرفي خالص انطلاقا من المفاهيم المنصوص عليها في ق.ا.ع. والبعض الآخر يستند على مرجعية المصلحة التي تقتضي القول في نظرهم، بأنه محرر رسمي اعتبارا لتدخل الدولة في تحديد الجهات المكلفة بتحريره وتزكيتها لهم[28]
لكن الغالب من الآراء يتجه نحو القول أنه محرر عرفي من نوع خاص.[29]لكن هذا الحل الوسط لا يؤدي بالضرورة إلى حل مشكلة التكييف التي تطرح عدة تساؤلات ذات أبعاد اقتصادية وقانونية منها:
-هل يؤدى الرسم المفروض على العقود التوثيقية بموجب المادة 21 من قانون المالية لسنة 2006 عن المحرر الثابت التاريخ باعتباره محررا رسميا أم يعفى عنه باعتباره محررا عرفيا؟
هل يمكن للمتعاقدين عندما يكونان معا أميين أو أحدهما، اختيار صيغة المحرر ثابت التاريخ أم لابد من تطبيق الفصل 427 من ق.ا.ع؟
من هنا تتجلى الأهمية القصوى لمسألة التكييف هاته التي تبقى أساسا من صميم عمل القضاء الذي تنتظره مهمة شاقة للوصول إلى رأي حاسم أمام ضبابية النص وعدم انسجامه.
المطلب الثاني : خدمة تحرير العقود بين التقييد والإطلاق
يتجاذب مجال التوثيق وتحرير العقود اتجاهان أساسيان وتعرف ساحته شدا وجذبا ومنافسة شرسة تستعمل مبررات قانونية مختلفة للوصول إلى غايات ذات طبيعة اقتصادية:
Ãالاتجاه الأول: ويستند على الضمانات التي تخولها في نظرهم الوثيقة الرسمية والمشاكل التي تخلقها نظيرتها العرفية للقول بضرورة حصر ووضع قيود وضوابط على مجال التوثيق بحيث لا يكون مستباحا من أي كان بل لا بد من توافر الخبرة والكفاءة في المحررين وخضوعهم للرقابة والمسؤولية المهنية لتطهير مجال المعاملات العقارية وإعطاءه المصداقية والشفافية وهي كلها شروط متوافرة حسب أصحاب هذا الاتجاه في العدول والموثقين[30]
ومن هذا المنطلق فهم يساندون التوجه التشريعي الجديد ليس فقط في قانون 44.00 بل أيضا في قانون 51.00 و18.00 وكذا مشروع التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية، الذي يسير نحو اتجاه تكريس مبدأ رسمية العقود في المجال العقاري مع عدم التنكر لبعض الجهات الأخرى التي تتميز بالكفاءة والخبرة .
Ãالاتجاه الثاني: وبالرغم من إقراره بأن التوجه الجديد ينحو نحو إقرار مبدأ الرسمية إلا أنه ينتقد هذا التوجه لعدة أسباب
 -من جهة أولى: فإن العالم يتجه نحو التقليص من أدوار الدولة على المستوى الاقتصادي والقانوني، وأن العولمة تسير في اتجاه فرض النموذج الأنكلوساكسوني الذي يعتبر الخدمات سوقا حقيقية خاضعة للعرض والطلب ولقواعد المنافسة بعيدا عن الاحتكار مستدلا بما ذهب إليه المفوض الأروبي المكلف بالمهن الحرة حيث أعد برنامج عمل لإخضاعها للقانون الأروبي للمنافسة داعيا السلطات الوطنية إلى القيام بتقييم اقتصادي للقواعد المنظمة للدخول إلى المهن وشروط تقديمها للخدمات وإزالة العراقيل التشريعية وغيرها التي تحول دون اعتبارها سوقا خاضعة لقواعد المنافسة، ومبشرا بالنتائج الإيجابية لهذا التوجه كما حدث في استراليا حيث بمنعها لاحتكار تحرير العقود العقارية وتمثيل الأطراف أمام القضاء من قبل بعض المهنيين، خفضت تكلفتها بحوالي 12[31].
-ومن جهة ثانية: فإن النصوص القانونية الجديدة ومنها قانون 44.00 لم تأخذ بعين الاعتبار محيطها الاجتماعي والاقتصادي، حيث إن الكليات والجامعات المغربية تخرج سنويا العديد من القانونيين[32] ومن تمة يمكن أن تشكل هذه المهن المكلفة بتحريرالعقود مجالا خصبا لتشغيل حاملي الشهادات وحل جزء من أزمة بطالة خريجي كليات الحقوق وغيرها من خلال وضع بعض الشروط التي تسمح بإدماجهم في سوق العمل وفي نفس الوقت حماية حقوق المتعاقدين.           
وفي اعتقادي أرى أن المشرع وإن كان مسكونا بهاجس تطهير وتخليق مجال المعاملات العقارية فإن ذلك لايبرر بأي حل إقصاء مجموعة من الفئات المكلفة بالتحرير وعدم التفكير في مآلهم خصوصا وأنه في سبيل تحقيق هدفه تخطى عدة معطيات قانونية واقتصادية واجتماعية أرى أنها مهمة :
أولا : القول بسمو المحرر الرسمي على العرفي واعتبار الأول هو الحل الشافي لجميع المشاكل التي تسبب فيها الثاني، هو أمر فيه كثير من التجني وعدم الموضوعية لأن الأول لايختلف كثيرا في علاته عن الثاني حيث نقف فيه ايضا على إجمال ما يستوجب التفصيل وإبهام مايقتضي التعيين والتصريح بما هو حشو وإغفال ما يجب أن يضمن في المتن، ومحرره ليس بمنآى عن المسألة والتأديب والمحاكمة احيانا.
ثانيا : التوجه التشريعي الجديد مخالف لقانون 6/99 المتعلق بحرية المنافسة والأسعار، إذ كان على الحكومة طبقا للمادة 16 من هذا القانون أن تستشير مجلس المنافسة، كما أن تحديد الجهات المكلفة بتحرير هذه العقود وتسعيرتها يعتبر مخالفا للمادة 2 التي تؤكد على أن تحديد أسعار الخدمات يتم عن طريق المنافسة الحرة هذا فضلا عن أن هذا النوع من الخدمات غير منصوص عليه في قائمة المنتجات والخدمات المرفقة بمرسوم17/09/2001 المتعلقة بالمادة83 من قانون 99-6.[33]
ثالثـا: فأنا أرى أيضا أن الأولى كان هو الابتعاد عن منطق الإقصاء والاحتكار وفتح مجال تحرير العقود خصوصا أمام خريجي الكليات بعدما يتم التفكير في خلق شعب خاصة بالثوثيق وتدعيم مقتضيات المسؤولية والرقابة والتأمين وترك السوق يفرز الصالح والطالح
رابعا: الإغراق في الرسمية وفي المبادئ التقليدية للثوثيق من شأنه الحرمان من نتائج وميزات ثورة الاتصال إذ لا مجال في قانون 44.00 للحديث عن المحرر الالكتروني والتوقيع الالكتروني على خلاف القوانين المدنية الجديدة في التشريعات المقارنة[34] التي حاولت تعديل نصوصها بما يتلائم مع المتطلبات الجديدة للسرعة واختصار الوقت والمسافات والتكاليف مع ضمان في نفس الوقت الثقة والشفافية.
هذا الاشكال تفرضه البنية الاقتصادية المغربية التي تعتمد في جزء كبير منها على تحويلات الجالية الموجودة بالخارج والتي اتجهت في السنوات الأخيرة إلى الاستثمار في العقار لما لذلك من دلالات مالية واجتماعية وثقافية لكن الأمر لا يكون دائما إيجابيا فساحات المحاكم لا تخلو من قضايا كان ضحيتها أحد أفراد الجالية الذين يفوضون عادة أحد أقاربهم لتدبير شؤونهم المالية والعقارية ليفاجؤوا بعد ذلك بعملية نصب واحتيال.
ومن ثمة يكون من الأفضل لهم مباشرة تعاقداتهم بصفة شخصية ولو عن بعد من خلال استعمال الأنترنيت والفاكس وغيرها من الأدوات التقنية الحديثة التي لم تجد لها مكانا لحد الآن في التشريع المغربيبشكل واضح وصريح.
 
 المحور الثاني :  هشاشة الضمانات القانونية والمضامـــــــــــــين   
              الاقتصادية لعقد بيع عقار في طور الإنجاز
المطلب الأول : على مستوى الضمانات القانونية
    فقــرة أولى : محدودية حماية رضى المشتري
غير خاف أن الوضع السابق لصدور قانون 44.00 جعل الكثيرين يقعون ضحية عمليات نصب نتيجة عدم وجود نصوص تحميهم وتضمن حقوقهم.
 ولذلك فقد خطى المشرع خطوة هامة نحو تخليق المعاملات العقارية من خلال إلزامه للبائع بتضمين عدة بيانات تقنية خاصة بالشيء المبيع وتحديد الثمن وآجال التسليم وغيرها من البيانات المنصوص عليها في الفصل 618-3 ق.ا.ع بصلب العقد الذي تحرره جهات محددة وفق شكليات معينة بعدما يتم إرفاق هذا العقد بترسنة من الوثائق إلا أن المشرع لم يصل رغم كل هذا إلى التوسع الذي وصل إليه مثلا المشرع الفرنسي أو الكبيكي في تحديد البيانات الأساسية المتعلقة بحالة البناء أو صلابته أو نوعيته.[35]
هذا التوسع في البيانات يعد من صميم النظرية الحديثة لحماية الرضى التي تتجلى بالخصوص في حق المشتري في الإعلام وحقه في الحصول على البيانات التعاقدية وهي أمور نصت عليها التشريعات المقارنة بشكل صريح[36]
لقد أضحت العلاقات التعاقدية اليوم، في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية علاقات غير متوازنة بحكم وجود طرف قوي محترف يملي شروط العقد على طرف ضعيف يفتقر إلى القدرة والكفاءة مما يفرض التدخل لحماية رضى هذا الأخير ومن ثمة فإن المفاهيم التقليدية لعيوب الرضى تبقى وحدها غير كافية لتحقيق أهداف المشرع في إنتاج عقد واستمراره في ظروف متوازنة وعادلة كما أنها لا تسعف المشتري في الاستفادة من محل سكني أوتجاري أتعبه الزمن في البحث عنه والتفاوض بشأنه مع ما يترتب على ذلك من إجراءات مكلفة ماديا ومعنويا خصوصا وأنه يجب أن نستحضر بعض المعطيات الواقعية المؤثرة :
*الملف التقني والتصاميم ودفتر التحملات وغيرها من الوثائق المنصوص عليها قانونا يصعب قراءتها وفك رموزها واستيعابها في بعض الأحيان حتى على المهنيين والمختصين فما بالنا بأشخاص عاديين سواء منهم المتمدرسين أو الأميين (وهم الكثر).
*ظروف التعاقد خصوصا مع المقاولات والمؤسسات الكبرى تتم تحت وطأة تأثيرات مختلفة لإعلانات وصور وملحقات جميلة وكبيرة وشقة نموذجية تامة الصنع ومفروشة على أحدث طراز وأجمل ذوق ومئات الوعود من طرف أشخاص اختصاصيين في المبيعات ليجد المشتري نفسه منبهرا بالجنة الصغيرة ومطالبا بالإسراع الى تحقيق حلمه وعدم تفويت هذه الفرصة فيوقع على عقد لم يطلع في الغالب الأعم على بنوده وشروطه أو مرفقاته.
لذا أرى أنه كان من اللازم أولا الانفتاح على المفاهيم الجديدة لنظرية حماية الرضى وثانيا إعطاء فرصة للتروي لفائدة المشتري تمكنه من التراجع عن عقده داخل أجل محدد [37].
ومن الضمانات التي تحمي رضى المشتري والتي أغفلها المشرع ولم يدمجها في منظومته هي عدم منعه لبعض الأشخاص الذين يشكلون خطرا على هذه المؤسسة التعاقدية من إبرام هذا العقد أو التدخل فيه بواسطة، كما فعل المشرع الفرنسي مثلا في قانون 3/1/67 حين منع  في مادته 15 الأشخاص الذين صدرت ضدهم أحكام في جرائم السرقة والنصب وإصدار شيكات بدون رصيد والأشخاص الذين يمنع عليهم ممارسة نشاط تجاري طبقا لقانون 30/08/74 أن يباشروا بصفة معتادة لحسابهم او لحساب الغير أية عملية من عمليات بيع عقار في طور الانجاز.
فمن شأن تدبير مثل هذا تطهير مجال البناء من المحتالين وإعطاء مزيد من الثقة في عملية التوثيق، كما أن القضاء المغربي يمكنه تبني المفاهيم الجديدة لعيوب الرضى قصد توفير كافة الضمانات للمتعاقدين على غرار ما قام به القضاء في فرنسا مثلا [38].
 
الفقرة الثانية : ضعف الضمانات
1-/بالنسبة"للضمانة البنكية أو أية ضمانة أخرى مماثلة"
لقد ألزم المشرع سواء في الفصل 618-3 أو 618-9 البائع بأن يقيم لفائدة المشتري ضمانة بنكية أو أية ضمانة أخرى مماثلة وعند الاقتضاء تامينا[39]وذلك لتمكينه من استرجاع الأقساط المؤداة في حالة عدم تطبيق العقد.
هذه الضمانات التي تبدو في قراءة أولية أنها ستطرح عدة إشكاليات وتساؤلات منها:
*ما معنى"في حالة عدم تطبيق العقد"؟ إن هذه العبارة التشريعية تحمل مضامين متعددة ومنفتحة على تأويلات مختلفة مما تحتاج معه إلى تدقيق وتحديد أكبر لسد الباب أمام ذوي النيات السيئة الذين يتصيدون مثل هذا الغموض للتملص من مسؤولياتهم والتزاماتهم الشيء الذي سيفقد هذه المؤسسة القانونية كل فاعلية وأثر.
*وماذا يقصد المشرع ب"أو أية ضمانة أخرىمماثلة"؟ هل يعني بذلك مماثلة للضمانة البنكية على مستوى الطبيعة القانونية؟ أم يقصد بها أية ضمانة تحقق نفس الغرض الذي ستحققه مبدئيا الضمانة البنكية ألا وهو تمكين المشتري من استرجاع الأقساط المؤداة؟
إن تبني الطرح الأول سوف يحرم المشتري من العديد من الكفالات والضمانات مثل الرهون الرسمية والحيازية والكفالات المقدمة من قبل أحد المساهمين في الشركة البائعة وغيرها.
لذا أن الصياغة التي تبناها المشرع يمكن الاستعاضة عنها بأخرى تخول الانفتاح أمام كافة الضمانات كيفما كانت طبيعتها مادامت سوف تحقق نفس الهدف المنشود كالتنصيص مثلا على حق الامتياز بالنسبة للمشتري[40]
*المجال الحمائي لهذه الضمانات يبقى محدودا جدا، فالمشرع لم يلزم بها البائع قصد ضمان استكمال البناء والالتزام بالمواصفات المضمنة بالعقد أو بدفتر التحملات[41]، أو ضمان نقل ملكية الشيء المبيع وإنما فقط استرجاع أقساط الثمن المدفوعة من طرفه.
إذن لا يوجد ما يلزم البائع بقانون 44.00 بإتمام الأشغال خصوصا وانه يحتفظ بكل صلاحياته باعتباره صاحب مشروع إلى غاية انتهاء الأشغال "618-1" رغم ما قد يطال هذه العملية من عوائق ذات أسباب مختلفة تحول دون إتمام هذه الاشغال[42]
هذا فضلا عن أن هذا الضمان لا يطال التعويضات والجزاءات المنصوص عليها في هذا القانون لفائدة المشتري مما يدل على محدوديته. إن المشتري لا يتعاقد من خلال مراحل وإجراءات طويلة ومكلفة لكي يحصل في الأخير على الأقساط التي سبق أن أداها للبائع وإنما هدفه الحصول على محل سكني أو تجاري أو صناعي…
*لقد اعتبر العديد من الممارسين[43] الضمانة البنكية وغيرها من الضمانات المنصوص عليها في الفصل618-9، كلفة مادية وعبئا إضافيا سوف يثقل كاهل المقاول الذي يكون أصلا مطالبا بتمويل شراء الأرض وأشغال الأساسات والطابق الأرضي فضلا عن الكم الكبير من الوثائق الإدارية والهندسية. هذه الكلفة التي سترتفع حتما عندما ينصب المشروع على عقار غير محفظ حيث إن البنك أو شركة التأمين إذا ما استجابا لطلب المقاول سوف يرفعان من قيمة الأقساط والفوائد مقابل هذه الخدمة وهي كلها أمور من شأنها رفع التكلفة.
وتجدر الإشارة إلى أن ضمانات الإرجاع هاته تطبق بشكل قليل في فرنسا لعدم إقبال الأطراف عليها لمخاطرها الكبيرة التي يصعب تقديرها بالنسبة للأبناك وشركات التأمين ولتكلفتها العالية وطول إجراءاتها المسطرية بالنسبة للمقاولين. هذه المخاطر والتكاليف التي ترتفع مع تزايد كبر المشروع والأقساط المؤداة.
*هل هذه الضمانات على علاتها يخضع لها الجميع؟ إن قراءة الفصل 618-9 لوحده تقول بعمومية النص التي تجعل جميع البائعين بتوفيرها لكن مقتضيات الفصل 618-11 بعده جاءت لاستثناء المؤسسات العمومية والشركات التي يعود مجموع رأسمالها للدولة أو لأي شخص معنوي آخر خاضع للقانون العام من توفير هذه الضمانات. ويبدو أن المشرع اعتبر صفة هذه المؤسسات أكبر ضمانة للمشتري تغنيه عن باقي الضمانات.
هذا التوجه الذي يبدو منطقيا ومستساغا للوهلة الأولى لكنه باعتقادي غيب عدة معطيات :
أولها قانوني محض: ذلك أن حرية المنافسة ومقتضيات الاقتصاد الليبرالي تفرض المساواة بين كافة المتدخلين مهما كانت صفتهم في سوق واحدة بخصوص معاملاتهم التجارية سواء تعلق الأمر بالتكاليف المباشرة أو غير المباشرة، وهو أمر مفتقد في قانون 44-00 الذي خول معاملة تفضيلية لهذه المؤسسات ذات الطابع العمومي وخرق قانون حرية المنافسة
ثانيها واقعي: وهو أن هذه المؤسسات التي تفترض ملاءة ذمتها وقدرتها على تنفيذ التزاماتها، أصبحت ملفاتها بدورها أمام القضاء حيث أصبحت ساحات المحاكم لا تخلو من قضية متورط فيها مسؤول بمؤسسة عمومية أو شبه عمومية كانت إلى وقت قريب غير مشكوك في حسن تسييرها أو مصداقيتها
ولعل استفحال ظاهرة امتناع هذه المؤسسات عن تنفيذ التزاماتها والأحكام الصادرة ضدها هو ما دفع الفقه والقضاء الإداريين إلى ابتداع حلول قانونية جديدة كالحجز على أموال الدولة وتحديد الغرامة التهديدية في مواجهتها قصد إجبارها على التنفيذ وهي أمور كانت مستبعدة جدا قانونا وممارسة.
هذه كلها ملاحظات وتساؤلات من شأنها عدم طمأنة المشتري إلى حين تسلمه مفاتيح المحل مع توفر كافة المواصفات المتعاقد بشأنها.
2-/بالنسبة لضمانتي التأمين والتقييد الاحتياطي  
-أ/بالنسبة للتأمين
يبدو أن واضعي قانون44-00كانوا مترددين بين الرغبة في التطهير وتخليق مجال البناء وبين ضغط واقع اقتصادي وبنيوي معقد, فتبنى على خلاف تشريعات عربية وأروبية[44]مبدأ اختيارية التأمين على المسؤولية رغم أن واقع البناء للمغرب مليء بالمآسي الدرامية (العمارة المنهارة بشارع الزرقطوني بمراكش بتاريخ 16/02/1987 قضية المركب التجاري المسمى المغرب العربي الكبير بالناظور…) سواء في قطاع البناء الهامشي أو حتى المهيكل[45]
إن الخيار الذي تبناه المشرع في الفصل 9 -618 جاء في نظري محتشما وقاصرا وغير مواكب للإطار الاقتصادي والاجتماعي والقانوني الداخلي والخارجي حيث إن الاكتفاء بتأمين اختياري (عند الاقتضاء) وبخصوص أقساط الثمن فقط لا غير ليس من شأنه إعطاء الضمانات الكافية للمشتري الذي يرغب أساسا في استمرار المشروع وانتهاءه بنتيجة إيجابية وهي الحصول على محله بالمواصفات المتفق عليها. هذا الاستمرار الذي قد تعترضه عدة عوائق منها إفلاس البائع أو سجنه أو فراره أو موته أو التحجير عليه أو مماطلته أو غشه أو أسباب أخرى خارجة عن إرادته وهي كلها أمور أثبتت الممارسة العملية عبر السنين وقوعها مما يكون معه طلب الحصول على تأمين إجباري وتوسيع مجاله ونطاقه أمرا ملحا لا يقبل الالتفات عليه مهما كانت المبررات
-ب/ بالنسبة للتقييد الاحتياطي :
لقد خول المشرع بمقتضى الفصل10-618 للمشتري إمكانية تقديم طلب إجراء تقييد احتياطي لعقده الابتدائي وذلك للحفاظ مؤقتا على حقوقه. هذه المكنة أو الضمانة تبقى في نظري قاصرة ومحدودة وتطرح بدورها عدة تساؤلات منها :
*هل مشتري عقار غير محفظ أو حتى في طور التحفيظ يمكنه الاستفادة من ضمانات أخرى كالتعرض مثلا أو الحراسة القضائية؟ [46]
إن تخويل مشتري العقار المحفظ لوحده هذه الميزة هو انعكاس للازدواجية التي يعرفها النظام العقاري بالمغرب والتي تعيق مسألة التنمية.
*هل الحالة المنصوص عليها في الفصل 10-618 تعد حالة جديدة تضاف إلى حالات التقييد الاحتياطي المنصوص عليها في القوانين العقارية السابقة يمكن للمشتري استعمالها كلها دون استثناء؟ أم أنها تبقى هي الحالة الوحيدة المخولة له في إطار قانون 44-00 ولا يمكنه مثلا إجراء تقييد احتياطي بناءا على مقال الدعوى أو أمر رئاسي؟
*ثم كيف يمكن تصور حصول المشتري على موافقة البائع كما يشترط ذلك الفصل أعلاه وهو يعلم الآثار المالية والاقتصادية الخطيرة لهذا التقييد على الصك العقاري الأم والمخاوف التي يثيرها، إذ ينبئ بوجود نزاع أو مشاكل مما قد يؤدي إلى عرقلة حرية تصرف المالك في العقار وفي الحصول على قروض أو تأمينات ؟
*ألا يشكل هذا المقتضى مخالفة للتشريع المطبق على العقارات المحفظة ما دام أن هذا التقييد الاحتياطي وضع لضمان حق شخصي وهو التزام البائع بإتمام البناء داخل الآجال وهو ليس من الحقوق المدرجة ضمن اللائحة المسموح تقييدها؟ أم يجب اعتبار هذا الفصل مقتضى خاص واجب التطبيق من قبل المحافظين دون أي تحفظ؟
إن بعض هذه الإشكالات دفعت بعضا من الفقه والممارسين إلى القول بأن هذا الفصل 618-10 ولد ميتا ولا جدوى منه خصوصا وأنه لا يحل المشكل الأساسي في قانون 44-00 ألا وهو ضمان إتمام البناء وإنجاز العقد النهائي من قبل المقاول/البائع[47]. 
المطلـب الثُانـي : على مستوى المضامين الاقتصادية
فقرة أولى : مسألة التكلفة المالية لقيام العقد :
يعيب العديد من الفاعلين في مجال العقار على القانون الجديد عدم أخده بعين الاعتبار الظرفية الاقتصادية الصعبة التي يرزح تحتها الجميع، مقاولات وأفراد، فأضاف أعباءا مالية جديدة وعراقيل من شأنها تأخير إنجاز العقد, ويمكن رصدها في النقط التالية :
*تحديد الأشخاص الموكل لهم تحرير العقد، والاتجاه نحو الرسمية سيؤدي حتما إلى رفع ثمن تكلفة إنجاز هذا العقد خصوصا أمام الارتفاع النسبي لأجور وأتعاب العدول والموثقين[48]. هذا الارتفاع سيقع على عاتق المشتري لوحده الذي يتحمل أصلا أعباءا أخرى.
ومن هنا فقد انطلقت بعض الأصوات للمطالبة بفتح الباب أمام بعض الأبناك مثل مجموعة البنك الشعبي أو القرض العقاري والسياحي (CIH) التى تكون طرفا في عقود ثلاثية، لتصبح ضمن المؤهلين لتحرير مثل هذه العقود[49].
ومن جهتهم نادى بعض الموثقين بضرورة حذف الرسم التوثيقي أو خفضه أو إلزام باقي المهنيين به حتى تكون هناك فرصا متساوية للمنافسة[50].
*عندما يتعلق الأمر بمشروع بناء مجموعات سكنية تضم مئات أو آلاف الشقق والمحلات، فإن تطبيق مقتضيات الفصلين الفصل 3-618 و 4-618 يصبح صعبا إذا لم نقل مستحيلا على المستوى اللوجستيكي والمادي حيث يجب توفير آلاف النسخ، بعدد الشقق والمحلات، من دفتر التحملات والتصاميم الهندسية وغيرها من الوثائق الواجب إرفاقها بالعقد وهذا من شأنه رفع التكلفة بالنسبة للمشتري. وكان الأولى في مثل هذه الحالات الاكتفاء بوضعها-الوثائق-لدى محرر العقد سواء كان عدلا أو موثقا أو غيرهما وتخويل المشتري حق الاطلاع عليها.
كما يعيب المختصون في مجال المال والضرائب وجود بعض الجوانب الغامضة والمتناقضة التي تثيرها مؤسسة العقد الابتدائي المنظمة في قانون 00-44 منها مثلا :[51]
-هل العقد الابتدائي سيخضع لرسوم التسجيل الثابت أم الواجب التسجيل النسبي المقدر في 5%؟
الآراء هنا متناقضة وتدخل المشرع لإيضاح المسألة يبقى مطلوبا ومحبذا.
-كيف سيتم تطبيق القواعد الضريبية والمحسباتية سواء في ما يخص الأقساط التي يؤديها المشتري على مراحل أو في ما يخص الحالة التي يتخلى فيها المشتري عن حقوقه لفائدة الغير طبقا للفصل 13-618؟
فقرة ثانية : إشكالية التمويل :
من الأهداف المعلنة لهذا القانون وغير المنازع حولها بين كافة المهتمين هو تخويل المشروع العقاري تمويلا ذاتيا بعيدا عن القروض البنكية وخفض تكلفة البناء وعدم حجز أموال مهمة دفعة واحدة لإنجاز البناء في حين يكون بإمكان المقاول/البائع الحصول على دفعات مالية متوالية تمول له مشروعه بشكل سلس.
هذه الأهداف -التي تتقاسمها المشاريع الكبرى والصغرى على السواء[52]لا تخفى أهميتها ولا تحتاج إلى التدليل حيث أن 85% من البيوع في فرنسا مثلا تتم بواسطة VEFA وأن 15% تعتمد على أموالها الخاصة[53].
لكن هل البناء القانوني لنص 44.00 استطاع إيجاد حل للوصول إلى هذا الهدف مع مزاوجته بهدف تحقيق التوازن بين طرفي العقد وتخليق مجال البناء العقاري؟
يبدو من خلال تفحصي آراء مختلف الفرقاء (مقاولون/بنكيون/موثقون/فقه… ) أن هناك عدة عوائق وتناقضات تجعل هذا الهدف بعيد المنال نحصر بعضها كما يلي :
1-مسألة تقييد إنجاز العقد الابتدائي بوجود أساسات بناء الطابق الأرضي:
إن عم تخويل المقاول/البائع بدء عملية البيع والتسويق مع انطلاق مشروع البناء أو حتى قبله عند اقتناء الأرض، وإلزامه بإنتظار الإنتهاء من أشغال الأساسات وبناء الطابق الأرضي من شأنه :
-من جهة أولى: إفقاد العقد الإبتدائي دوره كوسيلة قبلية مهمة لإختبار عملية التسويق
-من جهة ثانية: فإن إقتناء الأرض في السوق العقارية الوطنية وإنجاز الأشغال الأساسية وبناء الطابق الأرضي خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشروع كبير بمميزات متوسطة أو عالية الجودة يستنفذ حسب بعض الإحصائيات الاقتصادية ما يناهز 50% من قيمة المشروع. وهذا يعني أنها تتم بأموال خاصة بالمقاول (Fonds Propre).
هذا المعطى لا يشجع على الإستثمار الأجنبي في العقار خصوصا وأن هذه التكاليف في دول أخرى لا تتجاوز 20%[54].
-ومن جهة ثالثة: يتطلب من الناحية التقنية في المشاريع الكبرى إيجاد معدات كثيرة وممرات ملائمة لمرورها حتى يمكن إنجاز في آن واحد كافة الأساسات والطوابق الأرضية ليتم بعدها بدء عملية البيع ومن ثمة الحصول على التمويل. إذن الأمر يشكل عائقا أمام المقاولات التي تكون مرتبطة مع الدولة باتفاقيات وآجال[55]
2-مسألة إدماج العقار غير المحفظ في بنية هذا القانون: وهي تثير بالإضافة إلى المشاكل القانونية[56] مشاكل أخرى ذات طبيعة اقتصادية تؤثر على فكرة التمويل الذاتي للمشروع وهي كالآتي :
*المرسوم الملكي المؤرخ في 17/12/1968 المتعلق بالقرض العقاري لا يسمح في فصله 9 للأبناك ومؤسسات القرض بمنح قروض إلا إذا كان العقار محفظا أوفي طور التحفيظ.
فكيف سيحصل المستثمر أو المقاول على تمويل لمشروعه أو كفالة بنكية أو حتى تأمين؟
وهذا الأخير(أي التأمين)ألن تكون أقساطه مرتفعة في حال قبول شركة التأمين بالمجازفة وتأمين مثل هذا النوع من العمليات التي ستنصب على عقار غير محفظ تسري في كافة الأذهان -بشكل مبالغ فيه في بعض الأحيان- إنه غير مأمون ويتميز بوضعية غير واضحة ماديا وقانونيا؟
*المشتري بدوره سيعاني من استحالة الحصول على قرض بنكي لأن الأبناك تشترط إجراء رهن رسمي من الدرجة الأولى يسجل بالصك العقاري إذا كان العقار محفظا أو إجراء وعد بالرهن إذا كان في طور التحفيظ، وهي أمور متعذرة عندما تتعلق العملية بعقار غير محفظ.
3-مسألة الطبيعة المبهمة للعقد : إنه بغض النظر عن الملاحظات المثارة حول سبب إدماج هذا القانون في ق.ا.ع وهل يشكل فعلا تطبيقا من تطبيقات بيع السلم أم لا؟ ولماذا منح من ناحية التقنية التشريعية أرقاما متصلة بالفصل618 رغم عدم وجود أية علاقة بين هذا الفصل وقانون44.00؟ [57] فإننا نركز بالخصوص على التناقض الحاصل بين عنوان النص العربي وهو"بيع العقارات في طورالإنجاز" وذلك المضمن بالنص الفرنسي vente en l’état future d’achevement إذ أن هذا الأخير يفترض حسب التجربة الفرنسية أن الملكية تنتقل بشكل تدريجي ومتوالي مع توالي الأداءات والأشغال، لكن النص المغربي في مضمونه جاء واضحا صريحا بأن الملكية لا تنتقل إلا بعد إبرام العقد النهائي أو صدور الحكم النهائي القاضي بذلك وتقييده بالصك العقاري.
فنحن في الحقيقة أمام بيع لأجل دون الإستفادة من مميزات هذا الأخير التي تخول على الأقل نقل الملكية بأثر رجعي. هذا المقتضى الخطير يرتب أن المشتري بمقتضى عقد ابتدائي لا يعد مالكا أو حائزا للشيء المبيع ومن ثمة فإن مسألة القروض تبقى بعيدة المنال عنه لأن الأبناك كما أشرنا سلفا لن تستطيع تقييد أي رهن لفائدتها خاصة أن الفصل 177 من ظهير02/06/1915 كان واضحا في أن الأموال المستقبلية لا يمكن أن تكون موضوع رهن.
4-إشكالية تخلي المشتري عن حقوقه طبقا للفصل 618-13 ق.أ.ع : وتظهر بالخصوص في مشاريع السكن الاجتماعي التي تخول لنوعية معينة من المستفيدين الحصول على شقق للسكن بعدما تتأكد الأبناك بتوافر مجموعة من الشروط، فيقوم هذا المستفيد بالتخلي عن حقوقه للغير الذي قد لا تتوافر فيه الضمانات لتأمين تمويل عملية التعاقد. لهذا فقد اقترح البعض من الفقه والمهنيين أن يكون هذا التخلي مشروطا بإدلاء المتخلى له بما يفيد توفره على ضمانات تخوله أداء أقساط الثمن أو التنصيص على أن المتخلي يبقى ملتزما بالتضامن مع المتخلى له لفائدة البائع.
هذا فضلا عما يفتحه هذا الفصل من باب للمضاربة العقارية حيث يصبح مطية للمضاربين الذين يشوشون على البرامج السكنية خصوصا ذات الطابع الاجتماعي.
 
 
 
خاتمة
إذا كان المشرع قد ارتكز في مقاربته الإصلاحية لمجال حيوي -كالعقود المنصبة على بناء في طور الإنجاز- على "الكتابة" كمؤسسة قانونية متكاملة شكلا ومضمونا إلا أنه لم يواكبها بنصوص جديدة تصلح المؤسسات القانونية الأخرى التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة، والتي من شأنها عرقلة هذا البناء القانوني والحيلولة دون تحقيق الأهداف المرسومة.
ودون إغراق في التشاؤم أو الإفراط في التفاؤل يبقى قانون 44.00 محاولة تشريعية جديرة بالتنويه وطفرة قانونية مهمة من شأنها وضع القطيعة مع بعض الممارسات السائدة في المعاملات العقارية شريطة دعمها بمجموعة من التدابير أوجز بعضها كالآتي :
1-/إصلاح منظومة التوثيق وتجديدها مع الانفتاح على المحرر العرفي بشروط.
2-/إدخال بعض النظريات الحديثة المتعلقة بحماية الرضى والنص عليها صراحة.
3-/إدخال بعض التعديلات على قواعد الإثبات بشكل يجعلها قادرة على استيعاب المؤسسات والمفاهيم الحديثة للكتابة والتوقيع والمحرر
4-/منع الأشخاص المحكوم عليهم من أجل جرائم الأموال من إبرام مثل هذه العقود
5-/منح المشتري حق التروي والتراجع داخل أجل محدد من تاريخ إبرام العقد الابتدائي
6-/النص على إجبارية التأمين في مجال البناء وتمديد نطاقه وكذا الكفالة البنكية ليشملا حتى التعويض عن الأضرار الناتجة عن التأخير والامتناع عن تنفيذ المشروع
7-/تيسير إجراءات التحفيظ وتخفيض كلفتها المالية والزمنية قصد تشجيع الإقبال عليها وتوفير وعاء عقاري مهم، مع منع إبرام عقود قانون 44.00 على عقارات غير محفظة والاقتصار إن اقتضى الحال على العقارات التي في طور التحفيظ وانتهى أجل التعرضات بخصوصها.

وفي انتظار كل هذا يبقى دور القضاء حيويا في تفعيل مقتضيات هذا القانون الجديد وإعطائه الأبعاد المرجوة على غرار ما فعل القضاء الفرنسي بشقيه المدني والإداري حيث وسع في مجال الحماية والضمانات من خلال قرارات تتبنى المفاهيم التي تذهب في اتجاه منح الثقة للمشتري دون إضرار بالبائع[58]

صعوبة التنفيذ



مقدمة
 
إن الواقع الذي تخلفه طول المسطرة أمام القضاء وتعقدها على المتقاضي     لا يهون منه إلا النطق بالحكم المقر لحقه و الملزم لمدينه بالأداء.
غير أن المحكوم لفائدته لا يهنأ بخروجه من دوامة طول وتشعب مسطرة التقاضي حتى يجد نفسه قد دخل في دوامة أخرى أشد وقعا و أكثر تعقيدا وهي معضلة صعوبة التنفيذ بحيث لا يمكن لأحد أن يتنبأ كيف ومتى ستنتهي.
وعدم التنفيذ يرهن الحكم و الحقوق التي يقضى بها بحث يصير المحكوم لفائدته في مواجهة خصم أخر يصعب التغلب عليه وهو الصعوبة في التنفيذ.
ووعيا منه بأهميتها القصوى عمل المشرع المغربي في إطار قانون المسطرة المدنية على تنظيم مؤسسة صعوبة التنفيذ سواء للأحكام القضائية أو لباقي السندات التنفيذية وذلك ضمن الفصول 26 و 149 و 436 و 468 و 482 و 483 و 491  من ق.م.م.
ورغم هذا التنظيم القانوني فان المشرع المغربي لم يأتي بتعريف لصعوبة التنفيذ وهو ما فتح المجال أمام الفقه الذي اجتهد في صياغة مفهوم الصعوبة في التنفيذ حيث اعتبرها البعض بأنها هي تلك المسائل التي تعترض تنفيذ الحكم القضائي سواء كانت ذات طبيعة واقعية أو ذات طبيعة قانونية[1].
هذا وتشكل صعوبات التنفيذ بالنسبة للأطراف هواجس مختلفة تبعا لاختلاف طبيعة المصلحة المراد حمايتها من خلال إثارة الصعوبة فهي بالنسبة للمنفذ له الدائن تعد بمثابة أخر العقبات التي يجب تجاوزها قبل وصوله إلى استيفاء حقه بالتنفيذ فيما تمثل بالنسبة للمنفذ عليه المدين محاولة لتفادي أو لتأخير التنفيذ عليه أو على أمواله.
ومن منطلق ما تقدم فان أهمية التعاطي مع موضوع صعوبة التنفيذ بالدراسة و التحليل لا تحتاج إلى كثير من التبرير و البيان٬ سواء من الناحية النظرية حيث يظل التنفيذ هاجس كل المتقاضين و تبقى الصعوبة في التنفيذ الخطر المحدق الذي يهدد استخلاص الحقوق المستندة على سند قابل للتنفيذ٬ يضاف إلى ذلك أن محدودية وهشاشة التنظيم التشريعي لمؤسسة صعوبة التنفيذ يجعل من هذه الأخيرة مرضا عضال تشكو منه منظومتنا القانونية و القضائية٬ أو من الناحية العملية إذ لا يخفى أن تخلف أداء الجهاز القضائي ببلادنا وحدة المشكلات الهيكلية التي يعاني منها راجع في جزء كبير منه إلى معضلة صعوبة التنفيذ فكثيرة هي الأحكام بمختلف أنواعها المدنية منها و التجارية و الإدارية و غيرها التي لا تعرف طريقها إلى التنفيذ.
وحسبنا أمام تنوع الأحكام و اختلافها مما يطرح صعوبة الإحاطة الشاملة بها أن نقتصر على الأحكام المدنية دون سواها نظرا لشيوع تداول الصعوبة في إطارها خاصة الأحكام العقارية منها.
وبناءا على ما سبق فان صعوبة التنفيذ تعد مؤسسة قانونية توفر ضمانات لطرفي التنفيذ و للغير من اجل حماية الحقوق و المصالح الخاصة و عدا ذلك يعول على هذه المؤسسة بإجراءاتها وتنظيمها القانوني أن تكون في خدمة التنفيذ و حامية له.
ومنه يبرز التساؤل الإشكالي حول كيفية تنظيم المشرع لطرق رفع ومعالجة صعوبات التنفيذ و الادعاءات المتعلقة بشأنها وذلك في إطار ما توفره هذه المؤسسة من ضمانات لطرفي التنفيذ أي كيفية الملائمة بين مصلحة خاصة ضيقة ومصلحة عامة ترتبط بحماية مؤسسة التنفيذ.
وعليه سيجري بحث هذا الطرح الإشكالي الذي يستوجبه الموضوع وذلك عبر إتباع الخطة المنهجية التالية:
المبحث الأول : النظام القانوني لصعوبة التنفيذ.
المبحث الثاني : رفع الادعاءات المتعلقة بصعوبة التنفيذ.
 
 
 
 
 
 
 
 
المبحث الأول: النظام القانوني لصعوبة التنفيذ.
إن فكرة صعوبة التنفيذ تحتل أهمية بالغة في نظرية التنفيذ لا تقل في أهميتها عن فكرة السند التنفيذي نفسه[2].
وصعوبة التنفيذ هي المنازعة القانونية التي بواسطتها يلجأ ذو المصلحة إلى القضاء ليعرض عليه وجهة نظره حول جواز أو عدم جواز التنفيذ، أو حول صحة أو بطلان إجراء من إجراءاته، أو حول إيقافه أو الاستمرار فيه.
فما هي خصائص وأنواع صعوبة التنفيذ؟ وما هي الجهة المختصة بالنظر في دعوى الصعوبة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في مطلبين: حيث نخصص المطلب الأول لماهية صعوبة التنفيذ، في حين نخصص المطلب الثاني لدعوى صعوبة التنفيذ.
 
المطلب الأول: ماهية صعوبة التنفيذ.
سنحاول من خلال هذا المطلب أن نقف عند مميزات صعوبة التنفيذ وأنواعها، هذا بالإضافة إلى تمييز صعوبة التنفيذ عن بعض المفاهيم المشابهة لها، وسنخصص لكل نقطة فقرة مستقلة.
 
 
الفقرة الأولى: مميزات صعوبات التنفيذ.
من خلال التعاريف التي سبقت الإشارة إليها، والتي حاول الفقه من خلالها توضيح المقصود من صعوبة التنفيذ، يتضح أن هذه الأخيرة تتميز بخاصيتين أساسيتين: ويتعلق الأمر بكون مرحلة التنفيذ مرحلة ما بعد صدور الحكم، وقيام الصعوبة على وقائع وأسباب لاحقة. وسنتناول كل نقطة على حدة.
 
أولا: صعوبة التنفيذ مرحلة ما بعد صدور الحكم.
إن الصعوبة في التنفيذ تتعلق بمرحلة ما بعد صدور الحكم، ولا تطرح على الجهة المختصة بالنظر في دعوى الصعوبة إلا ما تعلق بهذه المرحلة، حيث أن كل ما سبق الحسم فيه بحكم، لا يمكن إعادة طرحه عن طريق إثارة الصعوبة في تنفيذ ذلك الحكم[3].
ومن تم فإن الصعوبة في التنفيذ ترفع قبل البدء في عملية التنفيذ أو أثناء التنفيذ أو بعده.
فالمرحلة الأولى، هي التي أشار إليها الفصل 149 من ق.م.م.، وتنشر أمام قاضي الأمور المستعجلة، ولا يمكن القول أنه ما دام لم يشرع في التنفيذ فلا مصلحة للمدين في إثارتها، حيث ما دام الحكم قابلا للتنفيذ فمن حقه أن يطالب بحماية هذا الحق على اعتبار أن الفصل 149 ينص على أن رئيس المحكمة يختص، كلما توفر عنصر الاستعجال في الصعوبة المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ.
أما المرحلة الثانية، فإن الصعوبة تثار بمقتضى الفصل 436 من ق.م.م.، ويمكن إثارتها من الطرفين أو الغير أو المكلف بالتنفيذ ويكون رئيس المحكمة بخصوص هذه المرحلة بين أمرين اثنين: إما التصريح بوجود صعوبة جدية فيأمر بإيقاف التنفيذ أو تأجيله، وإما التصريح بعدم وجودها ويأمر بمواصلته.
أما بخصوص مرحلة ما بعد التنفيذ، فإن المتضرر منه، لا يملك سوى مراجعة قضاء الموضوع للمطالبة ببطلان إجراءات التنفيذ التي تمت، لأنه ليس هناك تنفيذ يرد عليه الوقف وإنما يوجد مركز قانوني مكتمل يمكن أن يرد عليه الإلغاء.
لكن الإشكال المطروح، هو أنه قد يحدث أن يقدم الطلب إلى المحكمة قبل إتمام التنفيذ، ويتم هذا الأخير قبل أن يصدر الحكم في الصعوبة.
وبخصوص هذا الإشكال يرى البعض أنه يجب البت في الطلب بالإيقاف أو الاستمرار في التنفيذ، وأن إعادة الحالة إلى ما كانت عليه كفيلة بإزالة كل آثار التنفيذ التي اتخذت من قبل[4]. وإذا كان من الممكن القول بصحة هذا الرأي في الحالة التي تكون فيها الإجراءات التنفيذية التي اتخذت إجراءات أولية أو تحفظية، فإن الأمر يكون غير ذلك إذا ما بلغ التنفيذ مرحلته النهائية. إذ يؤدي ذلك إلى ضرورة صدور الحكم بعدم القبول لعدم وجود التنفيذ للنظر في النزاعات المتعلقة به. هذا بالإضافة إلى أن بعض عمليات التنفيذ يصعب أو يستحيل إعادتها إلى حالتها، والحكم الصادر في الصعوبة لا يمكن تنفيذه لأنه لا يتضمن قضاء بإلزام المنفذ له برد ما توصل به. ولتفادي الدخول في هذه المشاكل نرى أنه لابد من تدخل المشرع في هذا الباب وذلك لينص صراحة على ضرورة للبث في طلبات الصعوبة قبل التنفيذ ولو في غيبة الأطراف.
 
 
ثانيا: قيام الصعوبة على وقائع وأسباب لاحقة.
إن الصعوبة في التنفيذ ليست طعنا في الحكم كما سيأتي بيانه في حينه، وبالتالي فهي لا تنشر أمام القضاء المختص نفس النزاع الذي سبق الفصل فيه من طرف محاكم الموضوع، لأن القول بغير ذلك قد يؤدي إلى المساس بحجيته الحكم المستشكل فيه موضوعا وأطرافا وسببا، ولأصبح بإمكان كل من لم تستجب محاكم الموضوع لطلباته أن يجدد بمناسبة الصعوبة كافة المنازعات التي بثت فيها هذه المحاكم.
وعليه، فعلى مثير الصعوبة الاستناد في إشكاله على وقائع وأسباب لاحقة لصدور الحكم، وإذا تبين للجهة القضائية المختصة أن مبنى الصعوبة سابق على صدور الحكم المستشكل فيه، تعين عليها التصريح بعدم وجود الصعوبة والأمر تبعا لذلك برفض طلب إيقاف التنفيذ لكون ما عرض عليها؛ الخوض في موضوع سبق الحسم فيه من طرف محاكم الموضوع صراحة أو ضمنيا[5]
 
الفقرة الثانية: أنـــواع الصعــوبـــة.
من خلال الفصول التي تناولت صعوبة التنفيذ يلاحظ أن هذه الأخيرة، إما أن تكون صعوبة موضوعية تنصب على الحكم ذاته وهي التي نص عليها الفصل 26 من ق.م.م. وترجع لاختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم على أساس أنها أعلم بظروف وملابسات الخصومة، وتكون الغاية من إثارتها العمل على اتخاذ قرار موضوعي من شأنه أن يرجع بالحكم إلى ما قبل مرحلة التنفيذ، وذلك كالطعن في التبليغ بادعاء أن الحكم ما زال لم يصدر نهائيا، وأنه لم يبلغ للمحكوم عليه. وكدعوى استحقاق المنقولات المحجوزة، وكدعوى بطلان حكم المحكمين.
وإما صعوبة وقتية وتنصب على الأحداث التي تطرأ بعد صدور الحكم، وقد عالجها المشرع في الفصول 149، 436، 468 من ق.م.م. وتكون الغاية من إثارتها أمام الجهة المختصة إيقاف إجراءات التنفيذ بصفة مؤقتة إلى حين الفصل في موضوع النزاع.
 
الفقرة الثالثة: صعوبة التنفيذ وبعض المفاهيم المشابهة.
سنعمل من خلال هذه الفقرة على تمييز صعوبة التنفيذ عن طلب إيقاف التنفيذ المعجل من جهة، وتمييز صعوبة التنفيذ عن مفهوم الطعن من جهة أخرى، وسنقف عند كل نقطة على حدة.
 
أولا: صعوبة التنفيذ وإيقاف التنفيذ المعجل.
إن طلب إيقاف التنفيذ المعجل يباشر في نطاق الفصل 147 من ق.م.م أمام غرفة المشورة لمحكمة الطعن الابتدائية أو الاستئنافية، والغاية من ذلك إيقاف مفعول النفاذ المعجل المحكوم به في الحكم المطعون فيه. أما إثارة الصعوبة، فهي تباشر في نطاق الفصول التي تناولت صعوبة التنفيذ والتي سبقت الإشارة إليها.
كما أن الأمر يختلف بينهما من حيث الأساس للاستجابة للطلب، فإيقاف التنفيذ المعجل تراقب فيه غرفة المشورة ما إذا كان النفاذ المعجل المحكوم به يصادف الصواب أم لا، بينما تتميز الأساس والأسباب التي تبنى عليها الصعوبة بالتعدد، وتعتمد على طعون موجهة ضد الإجراءات المتخذة أو التمسك بالوقائع المادية التي تتنافى وتتعارض مع التنفيذ.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن بإمكان طالب إيقاف التنفيذ المعجل أن يلجأ إلى الرئيس بصفته قاضي المستعجلات متى تأخرت المحكمة عن البث في طلب الإيقاف داخل الأجل القانوني (30 يوما) ليلتمس منه الإيقاف على أساس أن عدم الحكم داخل الأجل القانوني يشكل صعوبة قانونية تبرر الاستجابة للطلب[6].
 
ثانيا: صعوبة التنفيذ ومفهوم الطعن.
إن الصعوبة في التنفيذ ليست في أساسها إلا اعتراضا على إجراءات التنفيذ، فهي تنصب على النشاط التنفيذي ككل، بما يقتضيه من شروط وما قد يتصل به من عوارض، أما الطعن فهو وسيلة للتظلم من الأحكام شكلا ومضمونا، تحقيقا للاطمئنان والاستقرار ودرءا للخطأ والسهو، وقد حدد له المشرع طرقا خاصة به وآجالا معينة، كما حدد المحاكم المختصة بالنظر فيه.
وإذا كان الطعن ينقل الدعوى إلى محكمة أعلى درجة لتفصل فيه مجددا من الناحية الواقعية والقانونية، فإن الصعوبة في التنفيذ وهي تتعلق بمرحلة ما بعد صدور الحكم لا تطرح على الجهة المختصة إلا ما تعلق بهذه المرحلة، فكل ما سبق الحسم فيه بحكم لا يمكن إعادة طرحه عن طريق إثارة الصعوبة في تنفيذ ذلك الحكم.
إن الصعوبة في التنفيذ ليس لها في حد ذاتها أثر موقف، بل لابد في ذلك من أمر رئاسي بإيقاف التنفيذ ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (الفصل 482 و436).
أما الطعن في الحكم، خصوصا الطعن بالاستئناف والتعرض، فله في حد ذاته أثر موقف ما لم يكن ذلك الحكم مشمول بالنفاذ المعجل قانونا أو قضاء، كما نصت على ذلك الفصول 132، 134 من ق.م.م.. هذا وتجدر الإشارة إلى أن سقوط حق المحكوم عليه في ممارسة الطعن لسبب من الأسباب لا يمنعه من إثارة الصعوبة في تنفيذ ذلك الحكم[7].
 
المطلب الثاني: دعوى صعوبة التنفيذ.
 
إن المشرع أسند مهمة الفصل في صعوبة التنفيذ للقضاء المستعجل من خلال الفصول 149، 436، 468 من ق.م.م.. ولما كان الأمر كذلك، فإن دعوى صعوبة التنفيذ يجب أن تتوفر فيها الشروط العامة من صفة ومصلحة وأهلية[8]، بالإضافة إلى مواصفات الدعوى الاستعجالية وهي:
توفر حالة الاستعجال من جهة وعدم المساس بأصل الحق من جهة أخرى، زد على ذلك جدية المنازعة التي نصت عليها مقتضيات الفصل 436 من ق.م.م.
وحالة الاستعجال تتمثل في دعوى صعوبة التنفيذ في دفع الضرر المؤكد الذي يتعذر تداركه أو إصلاحه إذا ما حدث كهدم بناء مثلا.
وعدم المساس بالحق يقتضي بأن لا يتطرق موضوع الصعوبة في التنفيذ إلى تفسير الحكم المراد تنفيذه، أو تأويله، لأن مثل هذه المهمة قد أسندت إلى المحكمة التي أصدرت الحكم. فما هي أطراف دعوى صعوبة التنفيذ؟ وما هي الجهة المختصة لمعالجة صعوبة التنفيذ؟ وما هي آثارها؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال ثلاث فقرات: نتعرض في الأولى لأطراف دعوى الصعوبة، وفي الثانية للجهة المختصة بالنظر في دعوى الصعوبة، وفي الثالثة لآثار دعوى الصعوبة.
 
الفقرة الأولى: أطراف دعوى الصعوبة.
يتضح من خلال النصوص التي نظم بها المشرع صعوبة التنفيذ أن أطراف دعوى الصعوبة نوعان: الأطراف المباشرة، والأطراف غير المباشرة في الحكم المراد تنفيذه، وسنقف عند كل نوع في نقطة مستقلة.
 
أولا: الأطراف المباشرة.
لقد نص الفصل 436 من ق.م.م. الذي عالج مسطرة إثارة صعوبة التنفيذ على أن للأطراف الحق في إثارة صعوبة التنفيذ، وتحال على رئيس المحكمة من المحكوم عليه، أو المحكوم له، أو العون المكلف بالتبليغ أو تنفيذ الحكم.
إلا أن الملاحظ بخصوص الفصل المذكور أعلاه أن البعض يخلط بين إثارة الصعوبة، إذ لا يكون ذلك إلا لأطراف الحكم المراد تنفيذه وإحالتها على رئيس المحكمة. حيث اعتمد البعض بأن للأطراف كما للمنفذ الحق في إثارة صعوبة التنفيذ، وهذا نهج لا يستقيم مع نسبية الأحكام من جهة ولا مع مهمة المنفذ التي يجب أن يطبعها الحداد والموضوعية.
وفي هذا الاتجاه صدر قرار للمجلس الأعلى عدد 817، الصادر بتاريخ 11/04/1990 الذي جاء في حيثياته ما يلي:
لكن حيث أن الصعوبة في التنفيذ لا يثيرها العون المكلف بالتنفيذ، وإنما يثيرها الأطراف… [9].
ثانيا: الطرف غير المباشر.
إن الطرف غير المباشر في دعوى الصعوبة هو الذي لم يكن طرفا في نزاع الحكم المراد تنفيذه، ونميز بخصوصه بين حالتين:
Ø     حالة الغير الذي لا صلة له بأطراف النزاع، وهي الحالة التي عالجها المشرع في الفصلين 468 و482 من ق.م.م.
ذلك أن المشرع خول للغير الذي تحجز أمواله تنفيذا لحكم لم يكن طرفا فيه، إمكانية اللجوء إلى رئيس المحكمة لاستصدار أمر بتأجيل التنفيذ على المحجوزات إن كانت من المنقولات إلى حين الفصل في استحقاقها من طرف محكمة الموضوع، أما إذا تعلق الأمر بحجز عقار الغير الذي ليس طرفا في الحكم المراد تنفيذه فإن لهذا الأخير الحق في إبطال ذلك الحجز بإقامة دعوى استحقاق العقار.
Ø     حالة الغير الذي له صلة بالمنفذ عليه والذي أصبحت مصالحه مهددة، كما هو الحال بالنسبة للخلف الخاص للمنفذ عليه، كالذي يكون قد اشترى سيارة المنفذ عليه، لكن عملية نقل الملكية لازالت لم تتم بعد، فعمل المنفذ على حجزها حجزا تنفيذيا، وفي هذه الحالة للمعني بالأمر سلوك مسطرة تعرض الغير الخارج عن الخصومة أمام المحكمة التي أصدرت الحكم أو اللجوء إلى رئيس المحكمة للمطالبة بإيقاف التنفيذ دفعا لما سيلحقه من ضرر.
وبخصوص النظر في هذا النوع من إشكالات التنفيذ، ظهرت عدة اتجاهات في القضاء المغربي اتجاه اعتبر أن المتعرض تعرض الغير الخارج عن الخصومة أصبح معنيا بالخصومة التي كانت بين الأطراف الظاهرة للحكم فخولته الحق في إثارة صعوبة التنفيذ، في حين ذهب اتجاه آخر إلى أن المتعرض تعرض الغير الخارج عن الخصومة ليس طرفا في الخصومة، ويعد أجنبيا عن النزاع ولا يمكن أن يكون ادعاءه عرقلة في التنفيذ، وهو الاتجاه الذي كرسه المجلس الأعلى في قرار له الصادر بتاريخ 06/03/1991 الذي جاء في حيثياته، " حيث أنه بناء على مبدأ نسبية الأحكام، فإن المطلوبة لم تكن طرفا في الأمر الذي لم يصدر في مواجهتها… وكان السبيل الوحيد أمامها هو سلوك مسطرة تعرض الغير الخارج عن الخصومة…".
إلا أنه إذا لم يكن من حق المتعرض تعرض الغير الخارج عن الخصومة الحق في إثارة صعوبة التنفيذ، فإن من حقه أن يلجأ إلى قاضي المستعجلات لطلب تأجيل التنفيذ في إطار الفصل 149 في انتظار الفصل في دعوى تعرض الغير الخارج عن الخصومة دفعا للضرر الذي يهدده[10].
 
 
 
 
الفقرة الثانية: الجهة المختصة بالنظر في دعوى الصعوبة.
 
مما لاشك فيه أن التنفيذ يتوقف على فعالية الأجهزة المشرفة على سيره ومراقبته، لذلك أجمعت التشريعات على إسناد مهمة الإشراف والرقابة على سير عملية التنفيذ للقضاء[11].
ولما كان القضاء المستعجل هو المختص بالنظر في صعوبة التنفيذ، فإن للقضاء المستعجل جهات متعددة.
فإذا كانت مستندة أساسا إلى رئيس المحكمة الابتدائية، فإنها قد تُسند إلى الرئيس الأول في حالات معينة، كما أنه لما كان تنفيذ الحكم قد يكون خارج الدائرة الترابية للمحكمة التي أصدرت الحكم، فإن للبعض أن يتساءل عن القضاء المستعجل الذي سينظر في دعوى الصعوبة أهو رئيس المحكمة التي أصدرت الحكم أم هو رئيس المحكمة التي يجري التنفيذ في دائرتها[12].
من المعلوم أن الأحكام القابلة للتنفيذ نوعان: الأحكام النهائية والأحكام غير النهائية، ولكنها مشفوعة بالنفاذ المعجل بنص الحكم أو القانون.
فبخصوص الأحكام النهائية، فإن الصعوبة في التنفيذ لا يمكن إثارتها إلا أمام رئيس المحكمة قاضي المستعجلات، وإذا كان إسناد هذه المهمة لهذا الأخير لها ما يبررها من الناحية النظرية باعتباره أقدم القضاة وأكثرهم خبرة وتجربة، فإنه يبقى اختيارا منتقدا من الناحية العملية لتعدد مهام الرئاسة الإدارية والقضائية والولائية، مما يجعل مهمة الإشراف الفعلي على التنفيذ تُفوض من طرفه لأحد قيدومي القضاة أو لأكثرهم كفاءة علمية[13].
أما إذا أثيرت الصعوبة في تنفيذ الأحكام غير النهائية والمشفوعة بالنفاذ المعجل، فيجب تحديد موقع ومكان نزاع الأصل، وعلى ضوئه يمكن أن نحدد القضاء المستعجل المختص. حيث أنه إذا كان نزاع الأصل قد عرض على محكمة الاستئناف، كان الرئيس الأول هو المختص (الفقرة الأخيرة من الفصل 149 من ق.م.م). ويبتدئ مفعوله من تاريخ وضع مقال الاستئناف في صندوق المحكمة ولو لم يكن الملف أحيل بعد على محكمة الاستئناف. هذا، ويبقى الرئيس الأول مختصا حتى في حالة التعرض على قرار محكمة الاستئناف أو أثيرت أمام محكمة الاستئناف دعوى تعرض الغير الخارج عن الخصومة، أما إذا انتهى نزاع الأصل أمام محكمة الاستئناف فإن حق النظر في الصعوبة يعود إلى رئيس المحكمة الابتدائية.
أما فيما يخص الصعوبة المثارة حول تنفيذ حكم يباشر خارج الدائرة القضائية للمحكمة التي صدرت الحكم، فإن الفقه والقضاء قد استقر على أن صعوبة التنفيذ لا يمكن أن تثار في هذه الحالة إلا أمام رئيس محكمة مكان التنفيذ[14].
 
الفقرة الثالثة: آثار دعوى صعوبة التنفيذ.
سنميز من خلال هذه الآثار بين آثار دعوى الصعوبة بالنسبة للأطراف المباشرة وبالنسبة للغير.
 
أولا: بالنسبة للأطراف المباشرة.
إن الآثار المترتبة عن البث في دعوى الصعوبة إما عدم قبول دعوى الصعوبة أو الاستجابة لطلب مثير الصعوبة. وإذا كان عدم قبول دعوى صعوبة التنفيذ لا يثير أي إشكال بخصوص مواصلة مسطرة التنفيذ، فإن الإشكال يطرح عند الاستجابة لطلب مثير الصعوبة، إذ في هذه الحالة يصدر الأمر بوقف إجراء التنفيذ بصفة مؤقتة، والسؤال الأهم الذي يتبادر إلى الذهن هو إلى متى ستظل هذه الوقتية معرقلة لتنفيذ حكم أصبح قابلا للتنفيذ.
إن مقتضيات الفصل 436 من ق.م.م. تنص على أنه إذا ثبت للرئيس جدية الطلب، أمكنه إصدار الأمر بوقف التنفيذ إلى أن يبث في الأمر. ويقصد بالبث في الأمر لجوء المعني بالأمر إلى المحكمة التي صدرت الحكم المراد تنفيذه لتوضيح الإشكال الذي ارتأى الرئيس أنه يشكل صعوبة في التنفيذ. ولم يحدد المشرع أجلا لرفع هذه الدعوى على غرار ما فعل في الفصل 468 من ق.م.م.
 
ثانيا: بالنسبة للغير.
إن صعوبة التنفيذ التي يمكن للغير إثارتها حسب الفصل 468 إذا نتج عنها الاستجابة للطلب، تقتضي وقف إجراءات التنفيذ على المحجوزات في انتظار الفصل في دعوى استحقاقها بحكم نهائي. ودعوى الاستحقاق يجب أن ترفع إلى قضاء الموضوع داخل أجل 8 أيام من تاريخ الأمر بوقف التنفيذ ما لم تكن أقيمت قبل ذلك.
فقرار محكمة الموضوع أو مضي أجل 8 أيام دون إقامة دعوى الاستحقاق هو الذي سيقرر مصير إجراءات التنفيذ التي صدر الأمر بوقفها مؤقتا.
فإذا حكمت محكمة الموضوع برفض دعوى الغير أو حكمت بعدم قبولها أو أن دعوى الاستحقاق لم تقم داخل الأجل القانوني، فإن المنفذ يواصل إجراءات التنفيذ على المحجوزات إلى نهاية إجراءات التنفيذ[15].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المبحث الثاني: رفع الادعاءات المتعلقة بصعوبة التنفيذ.
إن إثارة الصعوبة في التنفيذ من طرف صاحب المصلحة طرفا كان في التنفيذ أو غيرا قد ينطوي على اعتبارات خاصة تبررها مصلحة مثير هذه الصعوبة.
ذلك أن المصلحة الخاصة للمنفذ عليه في ادعاء الصعوبة في التنفيذ يفسرها محاولته لتفادي التهديد الذي يشكله التنفيذ عليه أو على أمواله، كما أن إثارة المنفذ له لهاته الصعوبة خصوصا الواقعية يستند على مصلحته الخاصة في التعجيل بتذليل العقبات التي تحول دون استيفائه لحقه من خلال التنفيذ، و فضلا عن طرفي التنفيذ فان إثارة الصعوبة قد تكون راجعة للغير الذي يدعي ملكيته للمال المنفذ عليه منقولا كان أو عقارا.
وفي إطار هاته الادعاءات المرتبطة بصعوبة التنفيذ التي يختلف أساسها وغرضها بحسب الجهة المثيرة لها تبرز أهمية البحث عن الوسائل و الآليات الإجرائية التي يمكن عن طريقها معالجة هاته الادعاءات ورفع الصعوبة بوصفها موضوعا أو محلا لهاته الادعاءات.
وتختلف الآليات المسطرية لرفع الصعوبة في التنفيذ تبعا للجهة التي أثارت هذه الصعوبة حيث سيجري التمييز مابين الآليات الإجرائية المتاحة للأطراف في رفع الصعوبة (مطلب أول) وبين تلك الآليات الإجرائية المتاحة للاغيار في رفع الصعوبة (مطلب ثاني).
 
 
 
المطلب الأول: الآليات الإجرائية المتاحة للأطراف في رفع الصعوبة.
يقضي الفصل 436 من ق.م.م بأنه " إذا أثار الأطراف صعوبة واقعية أو قانونية لإيقاف تنفيذ الحكم أو تأجيله أحيلت الصعوبة على الرئيس من لدن المنفذ له أو المحكوم عليه أو العون المكلف بتبليغ أو تنفيذ الحكم القضائي…".
 إن منطوق الفصل المذكور قد عمل في إطار تنظيمه لكيفية التعامل مع الصعوبة في التنفيذ بهدف رفعها على استعمال مصطلحي إثارة الصعوبة وإحالة الصعوبة، فإذا كانت هذه الأخيرة تفيد ذلك الإجراء المسطري الذي يتم إقامته أمام رئيس المحكمة في موضوع صعوبة تعتري التنفيذ، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بإحالة الصعوبة على الرئيس فان إثارة الصعوبة وان لم يحدد الفصل أعلاه صراحة الجهة التي تثار أمامها هذه الصعوبة إلا انه يمكن الحسم بان الإجراء المتمثل في إثارة الصعوبة يكون أمام العون المكلف بالتنفيذ[16].
 
وبديهي أن تتقدم الآلية الإجرائية المتمثلة في إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ عن إحالة الصعوبة على الرئيس كآلية إجرائية ثانية لاحقة، إذ لا يتصور تماشيا مع مفهوم الفصل 436 إحالة الصعوبة على الرئيس دون أن يسبق ذلك إثارتها فعليا عند مرحلة التنفيذ وبمحضر العون المكلف به.
وهكذا سيجري بداية التعرض لإثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ (فقرة أولى) على أن يلحقها بحث إحالة الصعوبة على الرئيس ( فقرة ثانية).
 
الفقر الأولى: إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ.
كما سبق وان حسمنا في ذلك فان الآلية الإجرائية المتعلقة بإثارة الصعوبة تكون وجوبا أمام عون التنفيذ رغم أن نص الفصل 436 من ق.م.م لم يحدد صراحة الجهة التي يمكن أن يثار أمامها الادعاء المتعلق بالصعوبة، ودليلنا في ذلك أن الفصل أعلاه قد خول لعون التنفيذ إمكانية إحالة الصعوبة على الرئيس وهو الإجراء الذي يفرض سبق القيام بإثارة الصعوبة من قبل الأطراف انسجاما مع صياغة الفصل المذكور وهذا الإجراء أي إثارة الصعوبة الذي لا يمكن معه القول بأنه يتم أمام الرئيس مادام أن الأمر في هذه الحالة يتعلق بإحالة الصعوبة على الرئيس وليس إثارتها أمامه ولا يستقيم مع كل هذه الاعتبارات إلا القول بان إثارة الصعوبة تتم بالضرورة أمام عون التنفيذ.
هذا وقد اجتهد الفقه في تقديم تعار يف عديدة لهاته الآلية الإجرائية المتمثلة في إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ، إلا أننا نميل إلى الاخد بالتعريف الذي جاء به الدكتور عبد الرحيم الصقلي و الذي يتماشى مع التصور الذي أورده الفصل أعلاه، حيث يقصد بإثارة الصعوبة في التنفيذ " إبداء احد الأطراف دفعا أمام العون المكلف بالتنفيذ الجبري يدور حول ادعاء متعلق بصعوبة واقعية أو قانونية ويرمي إلى إيقاف التنفيذ أو تأجيله أو إلى متابعته أو مواصلته"[17].
إن الملاحظة التي تنطبق على كل من هذا التعريف وصياغة الفصل 436 أنهما لم يحددا صفة أطراف إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ حيث يطرح السؤال حول المقصود بلفظ الأطراف.
هكذا ذهب البعض إلى اعتبار أن التحديد الذي جاء به الفصل 436 للأشخاص اللذين يمكنهم إحالة الصعوبة على الرئيس ينطبق على مفهوم الأطراف بالنسبة لإثارة الصعوبة بالإضافة إلى الغير[18] وهو رأي منتقد على اعتبار أن الاخد بالتحديد الوارد في الفصل أعلاه يجعل من عون التنفيذ طرفا يقوم بإثارة الصعوبة و الحال انه يحيلها على الرئيس إذ لا يتصور قيام عون التنفيذ بإثارة الصعوبة أمام نفسه.
وعله يمكن القول بان المقصود بالأطراف في مفهوم هذا الفصل كل من المنفذ له و المنفذ عليه كطرفين أصليين في التنفيذ ويمكن مسايرتا لتوجه بعض الفقه أن نضيف إلى هؤلاء الغير الذي تدعو الضرورة إلى مشاركته في التنفيذ فيصير طرفا فيه طبقا للفصل 437 من ق.م.م[19].
هذا وإذا كانت إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ الآلية الإجرائية المخولة للأطراف في لرفع الصعوبة فان تقييم مدى تحقيق هاته الغاية (أي رفع الصعوبة) وكيفية التعامل معها يفرض البحث في طبيعة تدخل عون التنفيذ ودوره في معالجة الادعاءات المثارة أمامه بشان صعوبة التنفيذ.
هكذا يمكن الإشارة بداية إلى أن المشرع الفرنسي لم يخول العون القضائي أي دور في إطار معالجة الصعوبات في التنفيذ إذ أناط به فقط مهمة اللجوء إلى قاضي التنفيذ في حالة ما إذا اعترض التنفيذ صعوبة ما[20]، وهذا على خلاف موقف المشرع المغربي الذي اقر بإمكانية تدخل عون التنفيذ من اجل محاولة معالجة العون للصعوبة المثارة أمامه.
وعليه وطبقا للفصل 436 من ق.م.م فان معالجة العون للصعوبة المثارة أمامه من قبل الأطراف يتم عن طريق اتخاذ إجراء بإيقاف التنفيذ (أولا) أو إجراء يتعلق بتأجيله (ثانيا).
أولا: إيقاف التنفيذ.
إن تقديم طلب إيقاف التنفيذ في إطار إثارة الصعوبة يكون غالبا من طرف المنفذ عليه الذي تتضرر مصالحه من جراء استمرار سريان التنفيذ غير أن عون التنفيذ لا يقوم بالاستجابة إلى هذا الطلب و لا يوقف بالتالي التنفيذ إلا إذا تأكد وتثبت من أن الصعوبة قائمة فعلا وذلك بناءا على حجج قاطعة مباشرة وحاسمة.
ثانيا: تأجيل التنفيذ.
إن قيام عون التنفيذ بتأجيل التنفيذ يتعلق بالصعوبة المثارة أمامه و الغالب أن يكون الطرف مثير الصعوبة هو المستفيد من تأجيل التنفيذ، إلا انه ليس بالضرورة أن يكون هو المنفذ عليه بل قد يكون المنفذ له هو نفسه المستفيد من تأجيل التنفيذ بقصد قيامه باستدراك العيب الذي قد يشوب التنفيذ و الممكن استغلاله من طرف المنفذ عليه.
هذا و تجب الإشارة إلى أن اتخاذ عون التنفيذ للإجراء المتمثل في تأجيل التنفيذ يخضع لبعض الشروط الموضوعية منها و الإجرائية و التي يمكن حصرها إجمالا في ضرورة أن يكون تأجيل التنفيذ صادرا في إطار مسطرة إثارة الصعوبة وان يستند عون التنفيذ في اتخاذه هذا الإجراء على الإثباتات الكافية[21].
وفي الأخير يمكن القول أن إيقاف التنفيذ أو تأجيله لا يرقيان إلى مستوى التدخل المؤثر في الصعوبة المثارة على نحو يمكن من معالجتها إذ لا يتجاوز إثرهما تأجيل الصعوبة ووقفها إلى حين إحالتها على الرئيس.
 
الفقر الثانية: إحالة الصعوبة على الرئيس.
لقد تم تقرير هذه الآلية الإجرائية المتعلقة بإحالة الصعوبة في التنفيذ على رئيس المحكمة  وذلك من منطلق أن معالجة الادعاءات من طرف عون التنفيذ و المثارة أمامه قد يكتنفها احتمال الخطأ في اتخاذ إجراء وقف التنفيذ مثلا أو تأجيله مما يجعل من مسطرة إحالة الصعوبة على الرئيس إجراءا استدراكيا ومصححا للمواقف التي قد يتخذها عون التنفيذ.
وإحالة الصعوبة على الرئيس تعتبر بمثابة نقل لما سبق عرضه على عون التنفيذ إذ أن آلية إحالة الصعوبة ماهي إلا امتداد لآلية إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ وهي بذلك تختلف عن كل من الإجراءات الأخرى المقاربة لها كإخبار الرئيس أو إخطاره أو استئذانه و التي تعتبر كلها بمثابة عرض للتنفيذ مباشرة بين يدي الرئيس في حين أن الإحالة تسبقها إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ.
وعلى خلاف الغموض الذي شاب صفة أطراف إثارة الصعوبة فان الفصل 436  عمل على التحديد الدقيق و الحصري لأطراف إحالة الصعوبة حيث اعتبر أن هذه الأخيرة يقوم بها كل من المنفذ له و المحكوم عليه/ المنفذ عليه و العون المكلف بتبليغ أو تنفيذ الحكم.
هذا ويتعامل الرئيس مع الصعوبة المحالة عليه بقصد معالجتها ومحاولة رفعها وذلك من خلال اتخاذه لاجرائين:
·       فإما أن يقوم بصرف النظر عن الادعاءات المتعلقة بالصعوبة إذا تبين له أنها لا ترمي إلا إلى محاولة تعطيل إجراءات التنفيذ حيث يعتبر هذا الموقف بمثابة أمر بمواصلة التنفيذ إن كان موقوفا أو مؤجلا.
·       وإما أن يأمر بإيقاف التنفيذ إذا وقف على جدية الادعاءات المحالة عليه ويعمل عون التنفيذ على الوقف الميداني لعملية التنفيذ إن لم يكن فعلا قد أوقفها في إطار مسطرة إثارة الصعوبة.
المطلب الثاني: الآليات الإجرائية المتاحة للاغيار في رفع الصعوبة.
كما سبقت الإشارة إلى ذلك فان ادعاء الصعوبة في التنفيذ يرمي إلى حماية مصلحة خاصة لمدعي الصعوبة ذلك انه إذا كانت مصلحة كل من المنفذ عليه و المنفذ له في إثارة الصعوبة و إحالتها تتمثل على التوالي في محاولة تجنب أثار التنفيذ وتعطيلها أو محاولة إزالة كل العقبات التي تحول دون التنفيذ و بالتالي استيفاء الحق فان مصلحة الغير التي ينطوي عليها ادعاء الصعوبة تتجسد في حماية ملكيته الخاصة للمال المنفذ عليه منقولا كان أو عقارا.
وعليه سنعمل في إطار مطالبة الغير باستحقاق المنقول أو العقار على الوقوف عند كيفية تعامل الجهات المشرفة على التنفيذ الغير القضائية منها و القضائية مع هاته المطالبات المتعلقة بالصعوبة في التنفيذ وذلك بغية معالجتها ومحاولة رفعها.
وهكذا سيجري بحث مطالبة الغير باستحقاق المنقول (فقرة أولى ) على أن يلي ذلك التعرض للآلية المتمثلة في مطالبة الغير باستحقاق العقار (فقرة ثانية).
 
الفقرة الأولى:  مطالبة الغير باستحقاق المنقول.
طبقا للفصل 468 من ق.م.م فان مطالبة الغير باستحقاق ملكية المنقول تمر بثلاثة مراحل تختلف تبعا لطبيعة الجهة التي تقدم أمامها هاته المطالبة حيث يمكن التمييز بين مرحلة ادعاء ملكية المنقول أمام عون التنفيذ (أولا) و مرحلة رفع النزاع إلى الرئيس (ثانيا) ثم مرحلة المطالبة القضائية أمام المحكمة أي دعوى الاستحقاق (ثالثا)[22].
أولا: ادعاء الملكية أمام عون التنفيذ.
إن الجدير بالبحث في هذا الخصوص هو الكيفية التي يتدخل بها عون التنفيذ من اجل محاولة معالجة ورفع الادعاء الذي يقدمه الغير و الرامي إلى استحقاقه ملكية المنقول المنفذ عليه.
وهكذا وبصريح الفصل 468 من ق.م.م فان عون التنفيذ يملك التدخل المباشر في إطار تعامله مع الادعاءات المتعلقة بالاستحقاق حيث يقوم باتخاذ إجراء وقف البيع مستندا في ذلك على حجج جدية وكافية.
وبما أن الأصل هو الاستمرار في التنفيذ ومواصلة إجراءات البيع فان عون التنفيذ يتعامل مع ادعاء الغير ملكية المنقول على أنها صعوبة يلاحظها تلقائيا فلا يعمد إلى وقف التنفيذ ولا يحيل الادعاء إلى الرئيس إذا كان الإثبات المستند إليه غير كافي.
ثانيا: رفع النزاع إلى الرئيس.
إذا كانت آلية إحالة الصعوبة على الرئيس كما سبق بحثها في إطار الآليات الإجرائية المخولة للأطراف اللذين عمل الفصل 436 من ق.م.م على تحديدهم حصرا في كل من المنفذ له و المنفذ عليه وكذا عون التنفيذ فان رفع النزاع إلى الرئيس في إطار المطالبة باستحقاق المنقول لا يقوم به إلا الغير دون سواه[23].
هذا وتجدر الإشارة إلى أن إمكانيات تدخل الرئيس في إطار تعامله مع هذا النزاع المرفوع أمامه هي أوسع واهم من تلك المناطة بعون التنفيذ ذلك أن تدخل الرئيس لا يقتصر على تأجيل البيع الذي نص عليه صراحة الفصل 468 وهو ما لا يحضى  به عون التنفيذ بل إن تدخله قد يشمل أيضا الأمر بوقف البيع كإجراء يمكن أن يتخذه عون التنفيذ وذلك على اعتبار أن رفع النزاع إلى الرئيس إنما يتوخى منه في كثير من الحالات استجابة الرئيس لطلب وقف البيع الذي قد لم يكن لعون التنفيذ أن يتجاوب معه بالنظر لمحدودية إمكانياته في تقدير الحجج و الاخد بموقف حاسم بالاستناد عليها.
غير أن ما تجب الإشارة إليه بهذا الشأن أن العمل يظهر أن الرئيس لا يأمر  بإيقاف البيع في حالات كفاية الحجج وإذا ما أمر بذلك فانه يكون من اجل فتح الباب أمام تقديم طلب الاستحقاق إلى المحكمة داخل اجل ثمانية أيام فهو يعبر بذلك عن تأجيل البيع بإيقافه[24].
ثالثا: دعوى الاستحقاق.
دعوى الاستحقاق هي تلك المنازعة الموضوعية التي يرفعها شخص من الغير يدعي ملكية المنقولات المادية المحجوزة أو أي حق عيني يتعلق بها ويطلب فيها تقرير حقه على هذه المنقولات ووقف بيعها لتعارضه مع حقه عليها[25].
ودعوى استحقاق المنقول لكي تؤدي إلى وقف البيع بقوة القانون يجب تقديمها أمام المحكمة مكان التنفيذ وداخل اجل ثمانية أيام من تاريخ أمر الرئيس بتأجيل البيع وذلك تحت طائلة مواصلة سريان إجراءات البيع.
 
الفقرة الثانية: مطالبة الغير باستحقاق العقار.
تستند هذه المطالبة الرامية إلى استحقاق الغير لملكية العقار المحجوز إلى مقتضيات الفصل 482 من ق.م.م الذي جاء فيه " إذا ادعى الغير أن الحجز انصب على عقارات يملكها أمكنه لإبطال الحجز رفع دعوى الاستحقاق.
….".
وعليه وبخلاف ما هو عليه الأمر في المطالبة باستحقاق المنقول حيث تتعدد الجهات التي يمكن إقامة هذه المطالبة أمامها فان المطالبة باستحقاق العقار تكون فقط من خلال سلوك دعوى الاستحقاق الفرعية.
ودعوى الاستحقاق الفرعية هي تلك المنازعة الموضوعية التي يرفعها شخص من الغير مدعيا ملكية العقار الذي بدأت إجراءات التنفيذ عليه ويطلب فيها تقرير حقه على العقار وبطلان إجراءات التنفيذ[26].
ومادامت أن دعوى الاستحقاق هي الإجراء الذي يمكن سلوكه في المطالبة بملكية العقار فان هذا يفيد تجاوز كل من عون التنفيذ ورئيس المحكمة باعتبارهما جهتين لهما تدخل واضح في مسطرة المطالبة باستحقاق المنقول.
وهكذا فانه مادمنا أمام دعوى استحقاق عقارية فانه لا مجال للحديث عن وقف البيع أو تأجيله كاجرائين يتخذهما الرئيس أو عن وقف البيع كإجراء يتخذه عون التنفيذ.
ويشترط في هذه الدعوى كي تكون مؤثرة وموقفة لإجراءات البيع أن تقدم قبل إرساء المزايدة النهائية وان تستند على حجج جدية بحيث يظهر منها أن المطالبة بالاستحقاق صحيحة.
وعليه فان قبول عدوى الاستحقاق بناءا على سلوك المدعي لمسطرة الفصل 483 من ق.م.م[27] ينتج عنها بقوة القانون وقف إجراءات البيع العقاري وهو ما لا يعد سوى إجراء وقتي تتدخل عبره المحكمة من اجل العمل على محاولة تطويق الصعوبة في التنفيذ الناتجة عن هذه المطالبة.
 
 
خاتمة
 
إن الاختلال الذي يعتري التنظيم القانوني لمؤسسة صعوبة التنفيذ والراجع إلى غياب نظرية عامة لصعوبة التنفيذ في التشريع المغربي يمكن تطبيقها على كل حالات الصعوبة في التنفيذ هو ما يفسر محدودية وعدم فعالية الآليات الإجرائية التي يتم التدخل بها من اجل معالجة الصعوبة ورفعها.
وعليه فان نظام صعوبة التنفيذ في التشريع المغربي يصدق عليه بحق التشبيه البليغ الذي قال به أستاذنا محمد احداف إذ اعتبره مقبرة للأحكام وفي أحسن الأحوال إحالة لها على قسم الإنعاش.
إن واقع معضلة التنفيذ يفرض إذن التدخل التشريعي العاجل من اجل صياغة بدائل حقيقة لعبث اسمه صعوبة التنفيذ بتعبير أستاذنا محمد احداف.
 
 
 
 
 
 
 
لائحة المراجع المعتمدة
الكتب
·        عبد الكريم الطالب: "الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية" الطبعة الخامسة 2008.
·        إدريس العلوي العبدلاوي: "الوسيط في شرح المسطرة المدنية"، الجزء الأول، طبعة 1999.
الابحاث الجامعية
·        عبد الرحيم الصقلي: "طرق معالجة الادعاءات الواردة على صعوبة تنفيذ الأحكام المدنية"  أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص كلية الحقوق اكدال ٬سنة النشر 2005 الطبعة الأولى.  
المقالات
·        محمد بولمان: "بعض ملامح الصعوبة في الأحكام" مجلة الإشعاع، العدد 12.
·        عمر أزوكار: "بعض مظاهر صعوبة التنفيذ وطرق معالجتها من طرف القضاء" جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 6625 بتاريخ 30/09/2001.
·        الشرقاوي الغزواني نور الدين: "الصعوبة في تنفيذ الأحكام المدنية والزجرية" مجلة المحامي، العدد 23 و.24
·        محمد الخراز: "الصعوبات المثارة حول تنفيذ الأحكام أمام القضاء المستعجل" مجلة القسطاس، العدد 3 سنة 2004 .
·        عبد النبي محترم: "إشكالات تنفيذ الأحكام المدنية" مجلة الإشعاع، العدد 20.
·        بن سالم أودجا: "مؤسسة قاضي التنفيذ من خلال التشريع المقارن الفرنسي والمصري" مجلة القضاء والقانون، العدد 151.
المجلات
·        مجلة المجلس الأعلى. عدد 45.
 
الفهرس
 
مقدمة…………………………………………………………………1
المبحث الأول: النظام القانوني لصعوبة التنفيذ…………………………….4
المطلب الأول: ماهية صعوبة التنفيذ………………………………………4
الفقرة الأولى: مميزات صعوبات التنفيذ……………………………………5
أولا: صعوبة التنفيذ مرحلة ما بعد صدور الحكم……………………………5
ثانيا: قيام الصعوبة على وقائع وأسباب لاحقة………………………………7
الفقرة الثانية: أنـــواع الصعــوبـــة………………………………7
الفقرة الثالثة: صعوبة التنفيذ وبعض المفاهيم المشابهة……………………….8
أولا: صعوبة التنفيذ وإيقاف التنفيذ المعجل…………………………………8
ثانيا: صعوبة التنفيذ ومفهوم الطعن……………………………………….9
المطلب الثاني: دعوى صعوبة التنفيذ……………………………………10
الفقرة الأولى: أطراف دعوى الصعوبة………………………………….11
أولا: الأطراف المباشرة……………………………………………….11
ثانيا: الطرف غير المباشر……………………………………………..12
الفقرة الثانية: الجهة المختصة بالنظر في دعوى الصعوبة………………….14
الفقرة الثالثة: آثار دعوى صعوبة التنفيذ………………………………….15
أولا: بالنسبة للأطراف المباشرة………………………………………..16
ثانيا: بالنسبة للغير…………………………………………………….16
المبحث الثاني: رفع الادعاءات المتعلقة بصعوبة التنفيذ…………………..18
المطلب الأول: الآليات الإجرائية المتاحة للأطراف في رفع الصعوبة………..19
الفقر الأولى: إثارة الصعوبة أمام عون التنفيذ…………………………….20
أولا: إيقاف التنفيذ…………………………………………………….22
ثانيا: تأجيل التنفيذ…………………………………………………….22
الفقر الثانية: إحالة الصعوبة على الرئيس………………………………..23
المطلب الثاني: الآليات الإجرائية المتاحة للاغيار في رفع الصعوبة…………24
الفقرة الأولى:  مطالبة الغير باستحقاق المنقول……………………………25
أولا: ادعاء الملكية أمام عون التنفيذ……………………………………..25
ثانيا: رفع النزاع إلى الرئيس…………………………………………..26
ثالثا: دعوى الاستحقاق………………………………………………..27
الفقرة الثانية: مطالبة الغير باستحقاق العقار………………………………27
خاتمة……………………………………………………………….29
لائحة المراجع………………………………………………………..30

الفهرس……………………………………………………………..32 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More